غربت الشمس إذا أنا بشاب متغير اللون نحيل الجسم يؤم المحراب ، فركل برجله ربوة من الأرض فظهرت عين تبضّ بماء عذب فشرب ، وتوضأ وقام في محرابه ، فقمت إلى العين فشربت ماء عذبا وتوضأت ، وقمت أصلّي بصلاته حتى برق عمود الصّبح ، فلمّا رأى الصّبح وثب قائما على قدميه ونادى : ذهب الليل بما فيه ، وأقبل النهار بدواهيه ، ولم أقض من خدمتك وطرا آه خسر من تعب لغيرك بدنه ، وألجأ إلى سواك همه ، فلمّا أراد أن يمضي ناديته : بالذي منحك لذيذ الرّغب وأذهب عنك ملال التّعب ألّا خفضت لي جناح الرحمة ؟ فإني غريب أريد البيت الحرام وقد ضللت ؟ فقال : يا بطّال ، وهل قطع بوفده دون البلوغ إليه ؟ ثم قال :
اتّبعني ، فرأيت الأرض تطوى من تحت أرجلنا حتى رأيت المحجّة وسمعت ضجّة فقال : ها قومك ثم أنشأ يقول :
من عامل اللّه بتقواه * وكان في الخلوة يرعاه
سقاه كأسا من صفا حبّه * تسلبه لذّة دنياه
فأبعد الخلق وأقصاهم * وانفرد العبد بمولاه « 1 »
ومنهم - رضي اللّه عنهم - العابد الذي لقيه على عريش البلّوط في مسيرة بلاد الغرب :
أخبرنا بأسنانيد كثيرة عن سعيد بن عثمان قال : سمعنا ذا النون يقول : بينا أنا سائر في بلاد المغرب وإذا أنا برجل على عريش من البلوط ( لعلها الشجرة المعروفة الآن ) وعنده عين ماء تجري فأقمت عليه
هامش
( 1 ) ابن الجوزي ، 4 / 366 .