أخبرنا بالإسناد عن سعيد بن عثمان قال : حدّثني ذو النون ، وقال الحسين وابن مسروق : سمعت ذا النون المصري يقول : بينا أنا في بعض مسيري لقيتني امرأة فقالت لي : من أين أقبلت ؟ قلت : رجل غريب . فقالت لي : ويحك وهل يوجد مع اللّه أحزان الغربة ، وهو مؤنس الغرباء ومعين الضعفاء ؟ فقالت لي : ما يبكيك ؟ قلت : وقع الدّواء على قرح فأسرع في نجاحه . قال : إن كنت صادقا فلم بكيت والصّادق لا يبكي ؟ قلت : إن البكاء راحة القلب وملجأ يلجأ إليه ، وما كتم القلب شيئا أحقّ من الشّهيق والزّفير ، فإذا أسلبت دمعه استراح القلب . . . هذا ضعف عند الأولياء ، قالت : يا بطّال . فبقيت متعجّبا من هذا الكلام . قالت : وقد نسيت القرحة التي سألت عنها ؟ قالت : لا . علّميني شيئا ينفعني اللّه به ؟ قالت : وما أفادك الحكيم في مقامك هذا ما من الفوائد ما تستغني به عن طلب الزّائد ؟
قالت : إن صدقت أحبب ربّك وانسق إليه ، فإنّ له يوما يتجلّى فيه على كرسيّ كرامته لأوليائه وأحبّائه فيذيقهم من محبّته كأسا لا يظمؤن بعدها .
ثم أخذت في البكاء والزّفير والشّهيق وهي تقول : سيّدي إلى كم تخلفني في دار لا أجد فيها أحدا يسعدني على البكاء أيّام حياتي ؟ ثم تركتني ومضت . وقال : ابن الحسين في حديثه ثم مضت وهي تقول :
إذا كان داء العبد حبّ مليكه * فمن دونه يرجو طبيبا مداويا
مع اللّه أمضى دهره متلذّذا * مطيعا يراه كان أو كان عاصيا
يقولون لي قد جنت من بعد صحة * وما بي جنون من خليل مواتيا