تؤمّنه خوفه كل خوف غير خوفه . قال : متى يتبيّن للعبد خوفه من اللّه ؟
قال : إذا أنزل نفسه من الدّنيا منزلة السّقيم فهو يحتمي من أكل الطعام مخافة السّقام ، ويصير على مضض كل دواء مخافة طول الضناء ، فصاح الفتى صيحة ثم بقي ساعة ثم قال : رحمك اللّه ما علامة المحبّ للّه ؟ فقال له : حبيبي إن درجة الحبّ درجة رفيعة . قال : فأنا أحب أن تصفها لي ؟
قال : إنّ المحبين للّه تعالى شقّ لهم عن قلوبهم ، فأبصروا بنور القلوب عن جلال اللّه ، فصارت أبدانهم دنياويّة وأرواحهم حجبيّة وعقولهم سماويّة ، تسرح بين صفوف الملائكة وتشاهد تلك الأمور باليقين ، فعبدوه بمبلغ استطاعتهم حبّا له لا طمعا في جنّة ولا خوفا من نار ، فشهق الفتى وصاح صيحة كانت فيها نفسه . قال : فأكبّ الشيخ عليه يلثّمه ، ويقول : هذا مصرع الخائفين ، وهذه درجة المجتهدين .
ومنهم - رضي اللّه عنهم - عارف وصف له فراح إليه ليطلبه :
أخبرنا عبد العزيز بن الأخضر حدثنا يحيى بن عبد الباقي حدثنا أحمد بن أحمد حدثنا أحمد بن عبد اللّه حدثنا عثمان بن محمد حدثنا محمد بن أحمد الواعظ حدثنا العبّاس بن يوسف الشّكلي قال : سمعت سعيد بن عثمان يقول : سمعت ذا النون يقول : وصف لي رجل فتى هرب فقصدته ، فأقمت على بابه أربعين يوما فلمّا كان بعد ذلك رأيته ، فلمّا رآني هرب منّي فقلت له : سألتك بمعبودك إلّا وقفت عليّ وقفة فقلت : سألتك باللّه بم عرفت اللّه ، وبأي شيء تعرف إليك اللّه حتى عرفته ؟ فقال لي : نعم رأيت أن لي حبيبا إذا قرّبت منه قرّبني وأدناني ، وإذا بعدت منه صوّت بي وناداني ، وإذا قمت بالفترة رغّبني ومنّاني ، وإذا عملت بالطاعة زادني