حبيبي فلا يسيرون نجد ؟ فقال : هكذا تقول يا بطال ، القوم أعطوا المجهود من أنفسهم ، فما دبّرت المفاصل من الركوع ، وقرحت الجباه من السجود ، وتغيّرت الألوان من السّهر ضجّوا إلى اللّه بالاستعانة فهم أحلاف اجتهاد يهيمون ، فلا تقرّبهم الأوطان ، ولا يسكنون إلى غير الرحمن . فقلت له :
يا حبيبي أوصني فقال : عليك بمعاتبة نفسك إذا دعتك إلى بليّة ، ومنابذتها إذا دعتك إلى الفترة ، فإن لها مكرا وخداعا ، فإذا فعلت هذا الفعل أغناك عن المخلوقين ، وسلاك عن مجالسة الفاسقين . قال ذو النون : فوقعت مغشيّا عليّ فما أفقت إلّا بحرّ الشمس ثم رفعت رأسي فلم أره ولا العريش ، فقمت فسرت وفي قلبي منه حسرة « 1 » .
ومنهم - رضي اللّه عنهم - فتى من العبّاد العارفين الحكماء لقيه في بعض الطرق - رضي اللّه عنه :
أخبرنا بالإسناد عن يوسف بن الحسين يقول : سمعت ذا النون يقول : بينا أنا أسير في بعض الطرق فإذا فتى حسن الوجه أثر التهجد بين عينيه فقلت : حبيبي من أين قدمت ؟ قال : من عنده . وإلى أين ؟ : فقال : إلى عنده . قال : فعرضت عليه النفقة ، فنظر إليّ مغضبا ثم ولّى ، وأنشأ يقول :
وكافر باللّه أمواله * تزداد أضعافا على كفره
ومؤمن ليس له درهم * يزداد إيمانا على فقره
لا خير فيمن لم يكن عاقلا * يمدّ رجليه على قدره
هامش
( 1 ) ابن الجوزي ، 4 / 306 ، واليافعي ، 128 .