يوما وليلة أريد أن أسمع كلامه فأشرف عليّ بوجهه ، فسمعته يقول : شهد لي قلبي لك في النّوازل ، وكيف لا يشهد قلبي بذلك وكل الأمور إليك ؟
أفيحسن بمن اعتزّ بك أن يألف قلبه غيرك هيهات هيهات لقد خاب لديك المقصّرون ، ثم أدخل رأسه في عريشه وفاتني كلامه ، فلم أزل واقفا إلى أن طلع الفجر ثم أخرج رأسه فنظر إلى القمر فقال : أشرقت بنورك السماوات ، وأنارت بنورك الظّلمات ، وحجبت بجلالك عن العيون فوصلت به معارف القلوب ، ثم قال : بالتجائي إليك في حزني لتنظر إليّ نظرة من ناديته فأجاب ، سيّدي ما أحلى ذكرك أليس قصدك مؤمّلوك فنالوا ما أمّلوا وجدت لهم بالزيادة على ما طلبوا ؟ فقلت له : يا حبيبي إنّي مقيم منذ يوم وليلة أريد أن أسمع كلامك ؟ فقال لي : قد رأيتك يا بطّال حين أقبلت ، ولكن ما ذهب روعك من قلبي إلى الآن . فقلت له : ولم ذلك وما الذي أفزعك منّي ؟ فقال : بطالتك في يوم عملك ، وتركك الزّاد ليوم معادك ، ومقامك على الظنون يا ذا النون . فقلت له : إن اللّه كريم ، وما ظنّ به أحد شيئا إلّا أعطاه . فقال : إنه لكذلك إذا وافقه العمل الصالح والتوفيق . فقلت له : يا حبيبي ما هاهنا فتية تأنس بهم ؟ فقال : بلى ها هنا فتية متفرّقون في رؤوس الجبال . قلت : فما طعامهم في هذا المكان ؟ قال : أكلهم الفلق من خبز البلّوط ولباسهم الخرق من الثياب ، قد يئسوا من الدنيا ويئست الدنيا منهم ، قد لصقوا بالأرض وتلفّفوا بالخرق فلو رأيتهم رأيت رجالا إذا جنّهم الليل ذبحوا أنفسهم بسكاكين السّهر فقلت : حبيبي فما مع القوم دواء يتعالجون به من الألم ؟ قال : بلى . قلت : وما ذاك الدواء ؟ قال : إذا أكلوا ضافوا الكلال وجدّوا بالارتحال ، فتسكن العروق ويهدأ الألم . فقلت : يا
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 165
مساهمون: ابن عربي
ص١٦٥