تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
الانتقال عن المكروه قبل فوت الإمكان ، وسارعوا في الإحسان تعريضا للقعود عن الإساءة ، وتلقّوا النّعم بالشكر استجلابا لمزيده ، وجعلوه نصب أعينهم عند خواطر الهمم وحركات الجوارح في زينة الدنيا وغرورها ، فزهدوا فيها عيانا ، وأكلوا منها قصدا ، قدموا فضلا وأحرزوا ذخرا ، وتزوّدوا منها التقوى ، وشمّروا في طلب النّعيم بالسير الحثيث والأعمال الزكيّة وهم يظنون بل لا يشكّون أنهم مقصّرون ، وذلك أنهم عقلوا فعرفوا ثم اتّقوا ، وتفكّروا فاعتبروا حتى أبصروا ، واستولت عليهم طرقات أحزان الآخرة فقطع بهم الحزن حركات ألسنتهم عن الكلام من غير عيّ خوفا من التّزيّن فيسقطوا من أعين اللّه ، فأمسوا وأصبحوا في الدنيا مغمومين ، وأمسوا فيها مكروبين مع عقول صحيحة ويقين ثابت وقلوب شاكرة وألسن ذاكرة وأبدان وجوارح مطيعة ، أصل صدق ونصح وسلامة وذكر وحياء وصبر وتوكّل ورضا وإيمان ، عقلوا عن اللّه أمره فشغلوا الجوارح فيما أمروا به ، وقطعوا الدنيا بالصبر على لزوم الحق ، وهجروا الهوى بدلالات العقول ، وتمسّكوا بحكم التنزيل وشرائع السّنن ، ولهم في كل تارة منها دمعة ولذة وفكرة وعبرة ، ولهم مقام على المزيد للزيادة ، فرحمة اللّه علينا وعليهم وعلى جميع المؤمنين والصالحين . وقال أيضا في نعت السّائرين أصحاب النجب والحجب - رضوان اللّه عليهم وروحه وريحانه : أخبرنا بالإسناد محمد بن أحمد الشمشاطي قال : سمعت ذا النون يقول : إن للّه عبادا فتقوا الحجب وعلوا النّجب حتى كشف لهم الحجب فسمعوا كلام الربّ ، وإن للّه عبادا على الأرائك يسمعون كلام اللّه إذا كلّم