الراحة من فتورهم ، وقل طمع الغفلة فيهم ، فهم لا يسكنون إلى محادثة الفكرة فيما يعنيهم ، ولا يفترون عن التعب والسّهر ، يناجونه بألسنتهم ، ويتضرعون إليه بمسكنتهم ، يسألونه العفو عن زلّاتهم ، والصفح عمّا وقع الخطأ به في أعمالهم ، فهم الذين ذابت قلوبهم بفكر الأحزان ، وخدموه خدمة الأبرار الذين توقّفت قلوبهم بسرّه ، وعاملوه بخالص من سرّه حتى خفيت أعمالهم على الحفظة ، فوقع بهم ما أمّلوه من عفوه ، ووصلوا إلى ما أرادوا من محبّته ، فهم واللّه الزّهاد السادة من العبّاد الذين حملوا أثقال الزمان فلم يألموا بحملها ، وتقوّدوا في مواطن الامتحان فلم تزل أقدامهم عن مواضعها حين مال بهم الدهر وهانت عليهم المصائب وذهبوا بالصّدق والإخلاص عن الدّنيا ، إلهي فيك نالوا ما أمّلوا ، كنت لهم سيدي مؤيّدا ، ولعقولهم مؤدّبا حتى أوصلتهم أنتّ إلى مقام الصّادقين في عملك ، وإلى منازل المخلصين في معرفتك فهم إلى ما عند سيّدهم متطلّعون ، وإلى ما عنده من وعيده ناظرون ، ذهبت الآلام عن أبدانهم لمّا أذاقهم من حلاوة مناجاته ، ولما أفادهم من طرائف الفوائد من عنده ، فيا حسنهم والليل قد أقبل بحنادس ظلمته ، وهدأت عنهم أصوات خليقته ، وقد قاموا إلى سيّدهم الذي له يألمون ، فلو رأيت أيها البطّال أحدهم وقد قام يأمل إلى صلاته وقراءته ، فلمّا وقف في محرابه استفتح كلام سيّده خطر على قلبه أنّ ذلك المقام الذي يقوم فيه الناس لربّ العالمين ، فانخلع قلبه وذهل عقله ، فقلوبهم في ملكوت السّموات معلّقة ، وأبدانهم بين يدي الخالق عارية وهمومهم بالفكر دائمة ، فما ظنّك بأقوام أخيار أبرار قد خرجوا من
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 137
مساهمون: ابن عربي
ص١٣٧