تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
الوعيد ، وغيّر ألوانهم السهر الشديد إلى الهرب من المواطن والمساكن والأغلاق ، إلى أن تفرّقوا في الشواهق والغياض والآكام ، أكلهم الحشيش وشربهم الماء القراح ، يتلذّذون بكلام الرحمن ينوحون به على أنفسهم نوح الحمام فرحين في خلواتهم ، لا تفتر لهم جارحة في الخلوات ، ولا تستريح لهم قدم تحت سور الظلمات ، فيا لها نفوس طاشت بهممها ، والمسارعة إلى مجيبها ، فما أملت من اتصال النظر إلى ربّها نظرت فأنست ، ووصلت ما وصلت ، وعرفت ما أراد بها ، فركبت النّجب ، وفتقت الحجب حتى كشفت عن همّتها الكرب ، فنظرت بهمم محبّتها إلى وجه اللّه الواحد القهّار . ثم أنشأ ذو النون يقول :
رجال أطاعوا اللّه في السرّ والجهر * فما شروا اللذات حينا من الدّهر
أناس عليهم رحمة اللّه أنزلت * فظلّوا سكونا في الكهوف وفي القفر
يراعون نجم الليل لا يرقدونه * فباتوا بإدمان التّهجّد والصّبر
فداخل هم القوم للخلق وحشة * فصاح بهم أنس الجليل إلى الذّكر
فأجسامهم في الأرض هونا مقيمة * وأرواحهم تسري إلى معدن الفخر
فهذا نعيم القوم إن كنت تبتغي * وتعقل عن مولاك إذ آب ذو القدر

ومن روايته في هذا الباب :

بالإسناد عن يوسف بن الحسين قال : سمعت عابدا يقول : إن للّه عبادا أبصروا فنظروا ، فلما نظروا عقلوا ، فلما عقلوا علموا ، فلما علموا انتفعوا ، فلما انتفعوا أنفعوا ، فلما أنفعوا رفع الحجاب فيما بينهم وبينه ،