أنجز لهم القرآن موعده ، وأوفى لهم عهوده ، وأحلّهم سعوده وأجازهم وعيده ، فنالوا به الرغائب ، وعانقوا به الكواعب ، وآمنوا به العواطب وحذروا به العواقب لأنهم فارقوا بهجة الدنيا بعين قالية ، ونظروا إلى ثواب الآخرة بعين راضية ، واشتروا الباقية بالفانية فنعم ما اتّجروا وربحوا الدّارين وجمعوا الخيرين واستكملوا الفضلين ، بلغوا أفضل المنازل بصبر أيام قلائل ، قطعوا الأيام باليسير حذر أيام قمطرير ، وسارعوا في المهلة ، وبادروا خوف حوادث السّاعات ، ولم يركبوا أيّامهم باللهو واللذات ، بل خاضوا الغمرات للباقيات الصالحات ، وأوهن واللّه قوتهم التّعب وغيّر ألوانهم النصب ، وذكروا نارا ذات لهب مسار عين إلى الخيرات منقطعين عن اللذات يريبون من الرّيب والخنا ، فهم خرس فصحاء وعمي بصراء ، فعنهم تفقر الصّفات ، وبهم ترفع النقمات ، وعليهم تنزل البركات ، فهم أحلى الناس منطقا ومذاقا وأوفى الناس عهدا وميثاقا ، سراج العباد ومنار البلاد ، ومصابيح الدّجى ، ومعادن الرحمة ، ومنابع الحكمة ، وقوام الأمّة ، تجافت جنوبهم عن المضاجع ، فهم أقبل الناس للمعذرة ، وأصفحهم بالمغفرة ، وأسمحهم بالعطية ، فنظروا إلى ثواب اللّه بأنفس رائقة وأعين رامقة وأعمال موافقة ، فخلوا عن الدنيا مطى رحالهم ، وقطعوا منها جمال آمالهم ، ولم يدع لهم خوف ربّهم من أموالهم تليدا ولا عتيدا ، أفتراهم لم يشتهوا من الأموال كنوزها ولا من الأوبار ( جمع وبر كناية عن الماشية ) خدورها ، ولا من المطايا عزيزها ، ولا من القصور مشيّدها ؟ بلى ، ولكنهم نظروا بتوفيق اللّه عز وجل وإلهامه لهم ، فحرّكهم ما عرفوا بصبر أيام قلائل ، فضمّوا أبدانهم عن المحارم ، وكفّوا
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 133
مساهمون: ابن عربي
ص١٣٣