باب حملة القرآن
من باب نعته للطائفة - رضوان اللّه عليها :
ما أخبرنا به العماد أبو الثناء محمود قال : حدثنا شيخنا تاج الإسلام قال : قال يوسف بن الحسين : سئل ذو النون عن حملة القرآن ؟ فقال : هم الذين أمطرت عليهم سحاب الأشجان ، فأنصبوا الركب والأبدان ، وتسربلوا الخوف والأحزان ، وشربوا بكأس اليقين ، وراضوا أنفسهم رياضة الموقنين فكان قرّة أعينهم فيما قلّ ورجى وبلغ وكفى ، وستر ووارى ، كحلوا أبصارهم بالسهر ، وغضّوها عن النظر ، وألزموها العبر ، وأشعروها الفكر ، فقاموا ليلهم أرقا ، واستملّت آماقهم نسقا ، وتبادرت دموعهم سجانكم توقا ، نهارهم صيام سغلا ، وليلهم قيام تعبا ، متبتّلين إليه في ساعات الليل والنهار ، قد نصبت منهم الأبدان ، وتغيّرت منهم الألوان ، صحبوا القرآن بأبدان ناحلة وشفاه ذابلة ودموع وابلة وزفرات قاتلة ، فحال بينهم وبين نعيم المتنعّمين وغاية آمال الراغبين ، فاضت عبراتهم من وعيده وشابت ذوائبهم من تحيره ، فكان زفير النار تحت أقدامهم ، وكان وعيده نصب قلوبهم - ترمضهم فوارعه وتشفيهم منافعه ، لم يشفهوا بحمله ولم يرغبوا عن عدله ولم يرغبوا عنه ، آمنوا بترتيله وجاهدوا في سبيله بغيرة وبيان وحجة وبرهان ، فلو رأيتهم رأيت قوما جعلوا الرّكب للتراب مهادا ، والتراب لجباههم وسادا ، تقرّبوا بخالص القربان ، ومضوا على شرائع الإسلام والإيمان ، واستناروا بنور الرحمن ، فقلّ ما لبثوا أن أنجز لهم القرآن موعوده ، ووفا لهم عهوده ، وأحلّهم