تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
سعوده ، فنالوا به الرغائب ، وعانقوا فيه الكواعب ، وأمنوا به المعاطب ، نظروا إلى الدنيا بأعين قالية وأنفس مرضيّة ، أتراهم لم يشتهوا من الأموال كنوزها ومن المطايا عزيزها ومن القصور مشيّدها ؟ ، بلى ، ولكنهم نظروا بتوفيق اللّه تعالى ومحبّته ، فرفضوا الدّنيا قبل أن ترفضهم ، وتركوها قبل أن تتركهم ، وسمعوا صوت المنادي يقول :
سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
« 1 » ، فما عاجوا ولا انتظروا واستبطؤا أنفسهم ، وخافوا أن يحال بينهم وبين السّباق ؛ فشمّروا وقصدوا إلى اللّه عز وجل إيمانا به ووفاء بعهده وإيقانا بمعرفته كما قال تعالى :
رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
« 2 » احتملوا في الدنيا المصائب لما يرجون في الآخرة من الرغائب ، فلم يجدوا ألم البلاء ولم يحسّوا ببعض الأذى ، استصغروا عند تحقيق المعرفة باللّه عز وجل كل ما نالهم طيبة بذلك نفوسهم صحيحة للّه تعالى نيّاتهم سليمة لأولياء اللّه صدورهم ، عرفوا شدة فقرهم إليه ، قطعوا الرجاء من غيره ، وعزفت أنفسهم عن الدنيا ، وتطلعت إلى الآخرة قلوبهم ، فما نظروا إلى الدنيا نظرة راغب ، ولا تزوّدوا منها إلّا كزاد الراكب ، خافوا الهلاك فأسرعوا ، ورجوا النجاة فأدلجوا سيرا إلى اللّه لا عن العلم مقصرين ولا غافلين ، جعلوا القرآن صراطهم المستقيم فثبّتوا أقدامهم ، وأصغوا إليه آذانهم ؛ فكان لهم إلى الخير داعيا وإلى النجاة دليلا هاديا ، أولئك الذين هداهم اللّه ، وأولئك هم أولو الألباب . وقد ورد عنه في نعت الصّفوة
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية 133 . ( 2 ) سورة الأحزاب ، الآية : 23 .