فقيل له : يرحمك اللّه فسّر لنا ذلك ؟ فقال : أما علمت أنك إذا أشرت في المعرفة إلى نفسك بأشياء أنت معرى من حقائقها كنت مدّعيا ، وإذا كنت في الزهد موصوفا بحالة وبك دون الأحوال كنت منحرفا ، وإذا علّقت قلبك بالعبارة وظننت أنك تنجو من اللّه بالعبادة لا باللّه في العبادة كنت بالعبادة متعلّقا لا بوليّها والمنّان عليك بها .
وبالإسناد عن أبي يعقوب إسحق بن إبراهيم الخواص قال : سمعت ذا النون يقول : من أدرك طريق الآخرة فليكثر مساءلة الحكماء ، وليكن أول شيء يسأل عنه العقل ؛ لأن جميع الأشياء لا تدرك إلّا بالعقل ، ومتى أردت الخدمة للّه فاعقل لمن تخدم ثم أخدم . أخبرنا العماد قال : حدثنا تاج الإسلام قال : قال إبراهيم البنّا البغدادي : صحبت ذا النون من إخميم إلى الإسكندرية فلمّا صرنا في بعض الطريق وكان وقت إفطاره أخرجت قرصا وملحا كان معي فقلت هلمّ رحمك اللّه ، فقال لي ملحك مدقوق ؟
قلت : نعم . قال : ليس تفلح . فنظرت إلى مزوده وإذا فيه قليل سويق شعير يستفّ كل ليلة منه ما قسم له حتى جئنا إسكندرية وقد تقاصرت إلى نفسي ، فلمّا أدرت فراقه قلت له : يا أبا الفيض عظني موعظة أحفظها عنك ؟ قال : وتفعل ؟ قلت : نعم إن شاء اللّه . فقال : يا إبراهيم احفظ عنّي خمسا : فإن أنت حفظتهنّ لم تبالي ماذا أصبت بعدهنّ قلت : وما هنّ رحمك اللّه ؟ قال : عانق الفقر ، وتوسّد الصّبر وعادي الشهوات ، وخالف الهوى ، وافزع إلى اللّه في أمورك كلها . فعند ذلك يورثك الشكر والرّضا والخوف والرجاء والصبر ، وتورثك هذه الخمسة خمسا : العلم ، وأداء الفرائض ، واجتناب المحارم ، والوفاء بالعهود ، ولن تصل إلى هذه
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 118
مساهمون: ابن عربي
ص١١٨