ومن استقى بحبل الزّهد على دلو العزوف استقى من جبّ الحكمة ، ومن سلك أودية الكمد حيا حياة الأبد ، ومن حصد عشب الذنوب بمنجل الورع أضاءت له روضة الاستقامة ، ومن قطع لسانه بشفرة الصمت وجد عذوبة الراحة ، ومن تدرّع درع الصّدق قوى على مجاهدة عسكر الباطل ، ومن فرح بمدحة الجاهل ألبسه الشيطان ثوب الحماقة .
وبالإسناد قال : وسمعته يقول : أسفرت منازل الدّجى وثبتت حجج اللّه على خلقه فأخذ بحظه ، ومضيّع لنفسه ، فمنارة حكمته وحجّته كتابه ، فقامت الدنيا ببهجتها فأقعدت المريد ، وألهت الغافل ، فلا المريد يطلب دواءه ، ولا الغافل عرف داءه ، ثم خصّ اللّه خصائص من خلقه فعرّفهم حكمته ، فنظروا من أعين القلوب إلى محجوب ، فساحت أرواحهم في ملكوت السماء ثم عادت إليهم بأطيب جني ثمار السّرور ، فعند ذلك صيّروا الدنيا معبرا والآخرة منزلا ، همّتهم قلوبهم عند ربّهم ، فأول ابتداء نعمة اللّه على من اختصّ اللّه من خلقه إهاجة النفوس على مناظرة العقول ، فعند ذلك أقام لها شواهد من أهل المعرفة يقف به العجز والتقصير ، وهما حالان يورثان الهمّ ويحثّان على الطلب ، ولن تعني النفس إلّا بالعلم باللّه .
وبالإسناد عن يوسف بن الحسين ومحمد بن أحمد قالا : سمعنا ذا النون يقول : طوبى لمن أنصف ربه عز وجل ، قيل : وكيف ينصف ربه ؟ قال يقر له بالآفات في طاعته وبالجهل في معصيته ، وإن أخذه بذنوبه رأى عدله ، وإن غفر له رأى فضله ، وإن لم يتقبل منه حسناته لم يره ظالما لما معه من الآفات ، وإن قبلها رأى إحسانه لما جاد به من الكرامات .
الكوكب الدري في مناقب ذي النون المصري — صفحة 113
مساهمون: ابن عربي
ص١١٣