وقد كان الحق تعالى أوجد العالم كله وجود شبح مسوّى لا روح فيه ، فكان كمرآة غير مجلوة . ومن شأن الحكم الإلهي أنه ما سوّى محلا إلّا ولا بد أن يقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه . فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم فكان آدم عين جلاء تلك المرآة ، وروح صورة العالم ، المعبر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير .
فكانت الملائكة كالقوى الروحانية والحسية ، التي في النشأة الإنسانية . فسمى آدم عليه السلام إنسانا لعموم نشأته . وحصر الحقائق كلها . لأنه الحق تعالى بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر . فبه نظر الحق تعالى إلى العالم فرحمهم .
وسماه خليفة لأنه استخلفه في حفظ العالم ما دام فيه . كالختم على خزانة الدنيا .
وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما أبديا .
إلهي كيف أوحدك ولا وجود لي في عين الأحدية ، وكيف لا أوحدك والتوحيد محض العبودية . سبحانك . ما وحدك سواك . ولا عرفك إلّا بإياك . بطنت وظهرت . لا عنك بطنت ، ولا لغيرك ظهرت .
( 99 ) مسألة الوجود هو الحق
اعلم أن الوجود من حيث هو ، هو عين الوجود الخارجي ، غير مقيد بالإطلاق والتقييد . ولا هو كلي ولا هو جزئي . ولا عام ولا خاص . ولا هو واحد بالوحدة الزائدة على ذاته ولا كثير . بل تلزمه هذه الأشياء بحسب مراتبه ومقاماته . المنبه عليها بقوله تعالى ( رفيع الدرجات ) فيصير مطلقا ومقيدا ، وكليا وجزئيا ، وعاما وخاصا . وواحدا وكثيرا . من غير تغير في ذاته وحقيقته . وهو أظهر من كل شيء تحققا وذاتية ، وأخفى من جميع الأشياء ماهية وحقيقة ولا يتحقق شيء في العقل ولا في الخارج إلّا به .
إذ هو الذي يتجلى في مراتبه ، ويظهر بصورها وحقائقها في العلم والعين ، فيسمى بالماهية والأعيان الثابتة . وذلك لأن للأسماء الإلهية صورا ثابتة في علمه تعالى .