فلم يبق إلا وجود صرف خالص ، لا عن عدم . وهو الوجود الحق تعالى . ووجود عن عدم ، وهو وجود العالم . ولا بينة بين الوجودين ، ولا امتداد إلا التوهم الذي يحيله العلم ، ولا يبقى منه شيء . ولكن يقال وجود مطلق ، ووجود مقيد ، ووجود فاعل ، ووجود مفعول .
هكذا أعطته الحقائق » .
( 97 ) مسألة الاختراع
إن الاختراع لا يصح حقيقة إلا في حق العبد ، وأمّا الرب تعالى ، فلا يصح حقيقة الاختراع في حقه . وذلك أن المخترع على الحقيقة لا بد أن يخترع أولا في نفسه مثل ما يريد إبراز عينه . ثم بعد ذلك يبرز عينه على صورة ما اخترعه في نفسه . والرب تعالى لم يزل عالما بالعالم أزلا وابدا . فما اخترع في نفسه شيئا لم يكن عالما به . فإذا الرب مخترع للعالم بالفعل . لا أنه مخترع مثاله في نفسه الذي هو صورة علمه تعالى أزلي ليس بمخترع .
فحقق ما قلناه . وقل بعد ذلك ما شئت . فإن شئت أن تصفه بالاختراع وعدم المثال فصفه .
وإن شئت نفي هذا فانفه . ولكن بعد فهم ما علمتك به من الحقائق . فتحقق هذه المسألة .
فإنها من أغمض المسائل .
مسألة ( 98 )
اعلم أنه لما شاء الحق تعالى من حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها في كون جامع لجميع حقائق الأشياء ، لكونه متصفا بالوجود ويظهر به سره إليه . فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة . فإنه تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحل المنظور فيه . مما لم تكن تظهر له من غير وجود المحل ، ولا تجليه له .