ولما بدا الكون الغريب لناظري * حننت إلى الأوطان حن الركائب
لأن الكون غريب عن وطنه ، ووطنه العدم فهو وطنه الأصلي . والوجود له مستعار .
( 96 ) مسألة متى وجد العالم ؟
اعلم أن الحقائق أعطت لمن وقف عليها أنه لا يتقيد وجود الحق تعالى مع وجود العالم بقبلية ، ولا بعدية ، ولا معية . فإن التقدم الزماني والمكلف في حق اللّه تعالى قد رمت به الحقائق في وجه القائل به . إلا أن يقوله من باب التوصيل إلى أفهام المخاطبين كما قال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلّم . ونطق الكتاب العزيز به . إذ ليس كل أحد يقوى على كشف هذه الحقائق . فلم يبق لنا إلا أن نقول :
« إن اللّه تعالى موجود لذاته ، مطلق الوجود ، غير مقيد بغيره ، ولا معلول بشيء ، ولا علة لشيء ، بل هو خالق المعلولات والعلل » .
ونقول : « إن العالم موجود باللّه تعالى ، لا بذاته . مقيد بوجود الحق تعالى . وإذ انتفى الزمان عن وجود الحق تعالى ، وعن وجود بدء العالم ، فقد وجد العالم في غير زمان . فلا نقول من جهة الحقائق إن اللّه تعالى موجود قبل العالم . لأن القبلية من صيغ الزمان ، ولا زمان في وصف اللّه تعالى . ولا نقول إن العالم موجود بعد وجود اللّه تعالى . إذ لا بعدية في وصف اللّه تعالى . ولا نقول إنه موجود مع وجود الحق تعالى .
فإن الحق تعالى هو الذي أوجده ولم يكن شيئا .
ولكن نقول : الحق تعالى موجود بذاته ، والعالم موجود بالحق تعالى . فإن سأل متوهم متى كان وجود العالم من وجود الحق تعالى ؟ قلنا : متى سؤال عن زمان ، والزمان من عالم النسب . وهو المخلوق للّه تعالى . فهذا سؤال باطل حجبت أدوات التوصيل إلى الإفهام هذا السائل عن تحقيق هذه المعاني .