ولذلك قال اللّه تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
« 1 » كموسى عليه السلام ، والحجاب عين الصورة التي يناديه منها وما يزول حكم البشر عن بشريته ، وإن فنى عن شهودها فعين وجودها لا يزول . والحد يصحبها ، فافهم .
مسألة ( 63 )
اعلم أن الإيمان لا يقبل الزوال . فإنه نور إلهي ما هو كوكبي يطلع ثم يغرب فيعقبه ظلام شك أو غيره . فمن عرف ما قلته عرف مرتبة العلم من جهة الإيمان ، ومرتبة العلم من جهة الدليل . فإن الحق تعالى ما علم الأشياء بالدليل ، إنما علمها بنفسه .
والإنسان الكامل مخلوق على صورته فعلمه باللّه تعالى إيمان ، ونور ، وكشف .
ولذلك يصفه بما لا تقبله الأدلة . وفي هذا المنزل صمت العبد ، إذا كلمه اللّه تعالى .
والحق يكلمه على الدوام . فهو مصغ على الدوام ، صامت على الدوام . فالعبد المفتوح السمع لكلام الحق تعالى لا يزال يسمع أمر الحق تعالى بالتكوين فيما يتكون فيه من الحالات ، والهيئات . ولا يخلو هذا العبد والعالم نفسا واحدا من وجود التكوين فيه .
فلا يزال سامعا ، فلا يزال صامتا . ولا يمكن أن يدخل معه في كلامه . فإذا سمعتم العبد يتكلم فذلك تكوين الحق تعالى فيه ، وهو صامت على أصله فافهم هذا فإنه من لباب المعرفة التي لا تحصل إلا لأهل الكشف والشهود .
فما ثمّ إلا الصمت والحق ناطق * وما ثم إلا اللّه لا غير خالق
فمشهدنا تكوينه في وجودنا * تدل عليه في الوجود الحقائق
فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليقل * خلاف الذي قلناه واللّه صادق
هامش
( 1 ) - آية رقم ( 51 ) من سورة الشورى ، مكية .