مسألة ( 58 )
إذا تفرغت لأمر بالكلية فإنك تقف معه . وذلك الوقوف هو حجابك ، فتخيل أن الموقوف معه حجبك . وليس الأمر كذلك . فالوقوف مع الحق تعالى حجابك عن الخلق .
والوقوف مع الخلق حجابك عن الحق تعالى . وهذا من باب التوسع والإيناس ، بما ورد في الكتاب والسنة من ذكر الحجب النورانية والظلمانية على هذا بنيت الحجب .
مسألة ( 59 )
اعلم أن الحق تعالى قد أضاف العمل إلينا وقتا ، ووقتا إليه . فلهذا قلنا فيه رائحة الاشتراك . فهذه مسألة لا يتخلص فيها توحيد في العقل أصلا . لا من جهة الكشف ، ولا من جهة الشرع . فالأمر صحيح فيها أن العمل مربوط بين الحق تعالى ، وبين الخلق غير مخلّص لأحد الجانبين . فإنه أعلى ما يكون من النسب الإلهية أن يكون الحق تعالى هو عين الوجود الذي استفادته الممكنات . فما ثم الوجود عين الحق تعالى لا غيره . والتغيرات الظاهرة في هذا العين . هي أحكام أعيان الممكنات . فلو لا العين ما ظهر الحكم . ولولا الممكن ما ظهر التغيير . فلا بد في الأفعال من حق وخلق .
فمذهب الأشعرية :
« أن العبد محل ظهور أفعال اللّه تعالى ، وموضع جريانها . فلا يشهدها الحس إلا من الأكوان ، ولا يشهدها البصر إلا من اللّه تعالى من وراء حجاب هذا الذي ظهرت على يديه المريد لها . المختار فيها فهو لها مكتسب باختياره » .
ومذهب المعتزلة : « 1 »
« أن الفعل للعبد حقيقة » . ومع هذا فربط الفعل عندهم بين الحق تعالى وبين الخلق لا يزال . فإنهم يقولون :
هامش
( 1 ) - المعتزلة : تنسب هذه الفرقة إلى « واصل بن عطاء » شيخ المعتزلة الأول ، وهو من أعظم شخصيات الإسلام ويعتبرونه من أكثر شخصيات العرب بلاغة أو من أكثر بلغاء العرب بالإضافة إلى عقائده الكلامية المعروفة التي أسسها عندما اعتزل مجلس ( الحسن البصري ) فقيل : اعتزل واصل مجلسنا والتف حوله كثيرون وأطلق عليهم هذا الاسم : المعتزلة .