تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب المعرفة — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
وقد علمت قطعا ، إن كنت مؤمنا ، أن الحق تعالى يتجلى عينه يوم القيامة في صورة فيعرف . ثم يتحول في صورة فينكر . وهو المتجلى في كل صورة ليس غيره . ومعلوم أن الصورة الأولى ما هي الصورة الأخرى . فكأن العين الواحدة قامت مقام المرآة . فإذا نظر الناظر فيها إلى صورة معتقده في اللّه تعالى عرفه فأقرّ به . وإذا رأى فيها معتقد غيره أنكره كما يرى في المرآة صورته مصورة غيره . والمرآة عين واحدة ، والصور التي ترى فيها كثيرة في عين الرائي . وليس في المرآة صورة منها . ثم إن المرآة لها أثر في الصورة بوجه . وهو أنها تردّ الصور متغيرة الشكل من الصغر والكبر ، والطول والعرض . وذلك لاختلاف مقادير المرآتي . فانظر في المثال مرآة واحدة . فالحق تعالى من حيث كونه ذاتا غني عن العالمين . ومن حيث الأسماء الإلهية فهو مثلا كالمرآة . فأي اسم إلهي نظر فيه من نظر فإنما يظهر في الناظر حقيقة هذا الاسم . فهكذا هو الأمر . إن فهمت فلا تجزع ، ولا تخف . والدليل على ذلك قوله تعالى :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
. والعين ما أدركت إلّا الصورة المحمدية التي ثبت لها الرمي في الحس . وهي التي نفى اللّه تعالى الرمي عنها أولا . ثم أثبته لها وسطا ثم عاد الاستدراك ، أن اللّه تعالى هو الرامي في الصورة المحمدية ولا بد من الإيمان بها . فانظر إلى هذا المؤثر عين أنزل الحق تعالى في صورة محمدية . فهذا إخبار من اللّه تعالى لعباده ، وخبره صدق . والإيمان به واجب . سواء أدركت ذلك أو لم تدرك . فأنا بحمد اللّه تعالى عالم بذلك مؤمن مسلم . ومما يدلّك على ضعف النظر العقلي من حيث فكره كون العقل يحكم على العلة أنها لا تكون معلولة لمن هي علة له . وهذا الحكم العقلي لا خفاء به . وأمّا في علم التجليات فإن العلة تكون معلولة لمن هي علة له .