( 34 ) مسألة الولاية
إن الولاية هي الفلك المحيط بالعالم ، ولهذا لم تنقطع ، ولها الإنباء العام . وأما نبوة التشريع ورسالته فمنقطعة . وبسيدنا محمد ، صلّى اللّه عليه وسلّم انقطعت . فلا نبي بعده ، ولا رسول مشرّع ولا مشرّع له . فلم يبق اسم خاص يختص به العبد دون الحق تعالى بانقطاع النبوة والرسالة .
إلا أن اللّه تعالى لطف بعباده ، فأبقى لهم النبوة العامة ، التي لا تشريع فيها ، وأبقى لهم التشريع في الاجتهاد ، وفي ثبوت الأحكام ، وأبقى لهم الوراثة في التشريع فالعلماء ورثة الأنبياء . وما ثم ميراث في ذلك إلّا فيما اجتهدوا فيه من الأحكام فشرعوه .
فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن التشريع فذلك هو من حيث هو وليّ وعارف . ولهذا مقامه من حيث هو عالم أتم وأكمل من مقامه من حيث هو نبيّ ورسول ، وذو تشريع وشرع .
فإذا سمعت أحدا من أهل اللّه تعالى يقول إن الولاية أعلى من النبوة . أو يقول إن الولي فوق النبي والرسول . فإنه يعني بذلك في شخص واحد . وهو أن الرسول من حيث هو ولي ، أتم وأكمل من حيث هو نبيّ ورسول . فمرجع النبي والرسول المشرع إلى الولاية والعلم . ألا ترى أن اللّه تعالى قد أمره ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، بطلب الزيادة من العلم ، لا من غيره ، من النبوة والرسالة .
فقال تعالى :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
.
وذلك أنك تعلم أن الشرع تكليف بأعمال مخصوصة . ونهى عن أعمال مخصوصة .
ومحلها هذه الدار فهي منقطعة . والولاية ليست كذلك .