( 35 ) مسألة حد الصبر
اعلم أن حد الصبر عندنا إنما هو حبس النفس عن الشكوى إلى غير اللّه تعالى ، لا إلى اللّه تعالى . فحجب الطائفة نظرهم في أن الشكوى تقدح في الرضا بالقضاء . وليس الأمر كذلك . فإن الرضا بالقضاء أن لا يقدح فيه الشكوى إلى اللّه تعالى ، ولا إلى غير اللّه تعالى . وإنما تقدح الشكوى في المقضي به . ونحن ما خوطبنا إلّا بالرضا بالقضاء لا بالرضا بالمقضي به . والضر هو المقضى به ما هو عين القضاء . فأعلم أيوب ، عليه السلام ، أن في حبس النفس عن الشكوى إلى اللّه تعالى في رفع الضر عنه مقاومته للقهر الإلهي . شكى إلى اللّه تعالى في رفع الضر عنه ، فرفعه عنه ، وأثنى عليه ، ووصفه بالصبر . فينبغي للعارف أن يتضرع إلى اللّه تعالى في رفع الضر عنه . فإنّ رفعه عنه إزالته عن جناب الحق تعالى .
إذ هو صورته الظاهرة .
كما جاع بعض العارفين . فبكى . فعاتبه من لا ذوق « 1 » له في هذا الفن . فقال العارف :
- إنما جوعني لأبكي .
بقوله : إنما ابتلاني لأشكو إليه . وذلك لا يقدح في كونه صابرا ، لأن الصبر إنما هو حبس النفس عن الشكوى إلى غير اللّه تعالى . وأعني بالغير وجها خاصا من وجوه اللّه تعالى .
وقد عين لنا تعالى وجها خاصا من وجوهه تعالى وهو المسمى بالهوية « 2 » لندعوه منه إذا لم يرفع الضر . لا من الوجوه الأخرى المسماة أسبابا . وليست إلّا هو من حيث تفصيل الأمر
هامش
( 1 ) - الذوق : أول مبادئ التجليات الإلهية - مصطلح صوفي .
( 2 ) - الهوية : الحقيقة في عالم الغيب - مصطلح صوفي .