( 29 ) مسألة قلب المعارف
اعلم أن قلب العارف باللّه تعالى من رحمة اللّه تعالى . وهو أوسع من رحمة اللّه تعالى فإنه وسع الحق تعالى ، ورحمته لا تسعه ، لأن الرحمة تقتضي مرحوما . واللّه تعالى غني عن العالمين . هذا لسان عموم من وجه .
أما لسان الخصوص ، من وجه آخر . فاعلم أن الألوهية تطلب المألوه . والربوبية تطلب المربوب . وإلّا فلا عين لها إلا به وجودا وتقديرا . والذات المقدسة لها الغنى عن العالمين . والربوبية ما لها هذا الحكم . فبقي الأمر بين ما تطلبه الربوبية وبين ما تستحقه الذات من الغنى عن العالمين .
وليست الربوبية على الحقيقة والإنصاف ، عين هذه الذات . فلما تعارض الأمر بحكم النسب ورد في الخبر ، وصف الحق تعالى ، بالشفقة على عباده . فأول ما نفى عن الربوبية بنفسه المنسوب إلى الرحمن ، بإيجاده العالم الذي تطلبه الربوبية والألوهية بحقيقتهما . فيثبت على هذا الوجه أن رحمة اللّه تعالى وسعت كل شيء ، فوسعته فهي أوسع من قلب العارف ، أو مساوية له في السعة .
ومعنى وسع قلب العارف للّه تعالى هو أنه إذا تجلى له لا يمكن أن ينظر مع غيره . واعلم أنه لا يشهد القلب ، ولا العين أبدا إلا صورة معتقده ، في الحق تعالى .
فلا ترى العين إلا الحق الاعتقادي .
ولا خفاء في تنوع الاعتقادات . فمن قيّده أنكره في غير ما قيده به وأقرّ به فيما قيّده به ، إذا تجلى له . ومن أطلقه عن التقييد لم ينكره ، وأقرّ به في كل صورة يتجلى فيها . وصور التجليات ما لها نهاية يقف العارف عندها . وكذلك العلم باللّه تعالى ما له غاية في العارفين يقف عندها . بل العارف في كل زمان يطلب الزيادة من العلم :
رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
« 1 » .
هامش
( 1 ) - آية رقم ( 4 ) من سورة طه ، مكية ( وقل رب زدني علما ) .