27 مسألة الرؤية بحسب العقيدة
اعلم أنه لا بد لكل شخص من عقيدة في ربه - يرجع لها إليه ، ويطلبه فيها - فإذا تجلى الحق تعالى في صورة معتقده عرفه فأقر به . وإن تجلى له في غيرها أنكره ومجده وتعوّذ منه . وأساء الأدب عليه في نفس الأمر . وهو عند نفسه أنه قد تأدب معه .
فلا يعتقد معتقد إلها إلا بما جعل في نفسه . فالإله في الاعتقاد بالجعل . فما رأوا إلّا نفوسهم وما جعلوا فيها . فمراتب الناس في العلم باللّه تعالى في الدنيا هو عين مراتبهم في الرؤية يوم القيامة . وقد أعلمتك بالسبب الموجب لذلك . فإيّاك أن تتقيد بقيد مخصوص وتكفر بما سواه ، فيفوتك الأمر على ما هو عليه .
فكن في نفسك هيولى « 1 » لصور المعتقدات كلها . فإن الإله تعالى أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد . فإنه تعالى يقول :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
« 2 » .
ووجه الشيء حقيقته . فنبّه بهذا قلوب العارفين « 3 » لئلا تشغلهم عوارض الحياة الدنيا عن استحضار مثل هذا . فإن العبد لا يدري في أي وقت يقبض . فلعله يقبض في وقت غفلته .
ثم إن العبد الكامل مع علمه بهذا يلزمه في الصورة الظاهرة والحال المقيدة التوجه إلى شطر المسجد الحرام بالصلاة . ويعتقد أن اللّه تعالى في قبلته حال صلاته . وهو بعض مراتب وجه الحق تعالى من
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
.
هامش
( 1 ) - الهيولى : هو جوهر ووجوده بالفعل إنما يحصل لقبول الصورة الجسمية لقوة فيه قابلة للصور ، وليس له في ذاته صورة تخصه إلا معنى القوة .
( انظر ) الحدود لابن سينا ضمن ثلاث رسائل في الحدود ( دار النهضة العربية ) 1978 .
( 2 ) - آية رقم ( 15 ) من سورة البقرة ، مدنية .
( 3 ) - العارفون جمع عارف والعارف والمعرفة تعنى صوفيا : من أشهده الرب نفسه فظهرت عليه الأحوال والمعرفة حاله .