فإنا لا نشك أن الحق تعالى يدركنا اليوم ببصره وسبحات وجهه موجودة .
والحجب إن كانت عينه تعالى فإنها لا ترتفع ، وإن كانت خلقا احترقت . فإنها مدركة ببصره من غير حجاب ولو احترقت الحجب احترقنا فلم نكن . ونحن كائنون بلا شك ، فلو فهم الناس معنى هذا الحديث لعرفوا نفوسهم . ولو عرفوا نفوسهم لعرفوا ربهم . ولو عرفوا ربهم لاكتفوا به من كل شيء فلم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض . لأنه تعالى عينها .
24 مسألة العطايا والمنح
اعلم أن المنح والعطايا الذاتية لا تكون إلّا عن تجل إلهي . والتجلي « 1 » عن الذات لا يكون أبدا إلّا بصورة استعداد المتجلي له . غير ذلك لا يكون . فالمتجلى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق تعالى ، وما رأى الحق تعالى ، ولا يمكن أن يراه ، مع علمه أنه ما رأى صورته إلّا فيه ، كالمرآة في الشاهد إذا رأيت صورتك فيها لا تراها ، مع علمك أنك ما رأيت صورتك إلّا فيها . فأبرز اللّه تعالى ذلك مثالا نصبه لتجليه الذاتي ، ليعلم المتجلّى له أنه ما رآه ، وما ثمّ مثال أقرب ولا أشبه بالرؤية والتجلي منه . وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية من حق المخلوق .
فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى أعلى من هذا الدرج « 2 » . فما هو ثمّ أصلا .
وما بعده إلا العدم المحض . فالحق تعالى مرآتك في رؤيتك نفسك وغيرك . وذاتك مرآتك لرؤيتك أسمائه . وأنت مرآته تعالى في رؤيته أسمائه ، وظهور أحكامها وليست سوى عينه تعالى .
هامش
( 1 ) - التجلي : ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب . مصطلح صوفي .
( 2 ) - الدّرج : الطريق والممر ، والدرج : ما يرتقى فيه والجمع : أدراج .