والشهود يقضي بما جاءت به الرسل إلى أممها في اللّه تعالى :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
.
فأنا مؤمن بما جاءت به الرسل . فكل واصف فإنما هو واقف مع نعت مخصوص فينزه اللّه تعالى نفسه عن ذلك النعت من حيث تخصيصه ، لا بد من حيث أنه له .
فإن أحديته تعالى أحدية المجموع ، لا أحدية كل واحد من المجموع .
مسألة ( 20 )
في بيان المعاني المرادة بقوله تعالى :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
.
وقوله :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
ما هُمْ
.
اعلم أن « ما » زائدة . وليس القليل إلا من آمن باللّه فإن الموحد من وحد اللّه باللّه .
وأما من وحد اللّه بنفسه فهو المشرك في توحيده . وأما أخذ اللّه ميثاق الذرية إلا بالتصديق بالوجود لا بالتوحيد . فلما عدم التوحيد من الفطرة ظهر الشرك في الأكثر ممن يزعم أنه موحد .
وما أداهم إلى ذلك إلا التكليف . فإنه تعالى لما كلفهم تحقق أكثرهم أن اللّه تعالى ما كلفهم إلا وقد علم أن لهم اقتدارا نفسيا على إيجاد ما كلفهم به من الأفعال . فلم يخلص لهم توحيد . فلو علموا أن اللّه تعالى ما كلفهم إلا لما فيهم من الدعوى من نسبة الأفعال إليهم لتجردوا عنها باللّه تعالى لا بأنفسهم كما فعل أهل الشهود .
فإذا ألزم الذاكر نفسه هذا الذكر فتح له إقامة العزر عند اللّه لعباد اللّه فيما أشركوا فيه عند إيمانهم . فاللّه تعالى أثبت لهم الإيمان به . وهو عناية عظيمة .
وأعلم أن من شأن الحق تعالى أنه حيثما تصور كان له وجود في ذلك التصور . ولا يزول وجوده برجوع ذلك المتصور عما تصوره بخلاف المخلوق . فإنه إذا تصورته كان له وجود في تصورك . فإذا تبين لك أنه ليس كذلك زال وجوده بزوال تصورك عما تصورته .