تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب المعرفة — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
اعلم أنه ليس لنا طريق إلى الوجود إلّا على وجود الحق لنستفيد الوجود . فتفهم هذا الترتيب فإنه يعطيك العلم بحكم المواطن ، وأنها تحكم بنفسها في كل من ظهر بها . فمن مرّ على موطن انصبغ به . والدليل الواضح في ذلك رؤيتك الحق في النوم . وهذا موطن الخيال . فما ترى الحق فيه في صورة جسدية كانت تلك الصورة ما كانت فهو حكم الموطن ، قد حكم عليك في الحق تعالى أنك لا تراه إلّا هكذا . كما أنك إذا دخلت موطن النظر العقلي ، وخرجت من خزانة الخيال وموطنه لم تدرك الحق تعالى إلّا منزها . عن الصورة التي أدركته فيها في موطن الخيال . وإذا كان الحكم للمواطن عرفت أنك إذا رأيت الحق تعالى ، ما رأيته فاثبت ذلك الحكم للموطن حتى يبقى الحق تعالى لك مجهولا أبدا ، فلا يحصل لك علم به في نفسك إلّا بتوحيد المرتبة له . وأما أن تعلم ذاته فمحال لأنك لا تخلو عن موطن تكون فيه ، يحكم عليك ذلك الموطن بأن لا ترى الحق تعالى إلا به ، فإنك تفارق ما أعطاك بعد العلم به في موطن آخر . فتحكم على الحق تعالى في كل موطن بحكم ما هو غير الحكم الذي حكمت به عليه ، في الموطن الذي فيه ، فتعرف عند ذلك أنك ما تعرف الحق تعالى من حيث يعرف نفسه وهذا غايتنا من العلم به تعالى . فما عندنا من العلم به تعالى في موطن ينفد في موطن آخر . وما عند اللّه تعالى من علمه بنفسه باق لا يتغير ، ولا يتبدل ، ولا يتنوع بتنوع المواطن . فإن المواطن تنوعها لذاتها ، ولو لم تتنوع المواطن لكانت موطنا واحدا . كما أن الأسماء الإلهية لو لم تختلف معانيها لكانت اسما واحدا كما هي من حيث مسمّاها .

مسألة ( 18 )

قال اللّه تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
« 1 » . اعلم أن عندية الحق تعالى ليست بظرف مكان قطعا ، ولا هي ظرف زمان مختص . بل هي ظرف ثالث وهو أمر نسبي لا وجودي .
هامش
( 1 ) - آية رقم ( 21 ) من سورة الحجر ، مكية .