مختلفين فثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى ، يسمى صبرا ، بالإضافة إلى باعث الهوى . ويسمى شكرا بالإضافة إلى باعث الدين . وباعث الدين إنما خلق لهذه الحكمة فهما عبارتان عن معنى واحد فكيف يفضل الشيء على نفسه ؟
واعلم أن مجاري الصبر ثلاثة : الطاعة ، والمعصية ، والمصيبة .
فقد ظهر حكم الصبر ، والشكر في الطاعة والمعصية . وأما المصيبة فعبارة عن فقد نعمة .
وهي إما نعمة ضرورية كالعين مثلا . وإما نعمة احتياجية كالزائد على قدر الضرورة من المال . أما العينان فصبر فاقدهما إنما هو بأن لا يظهر الشكوى وأن يظهر الرضى بقضاء اللّه تعالى وشكره . وأحدهما إنما بأن يستعملهما في طاعة اللّه تعالى ، وأن لا يستعين بهما على معصية . وكل منها لا يخلو من الصبر والشكر . وأما الزيادة على قدر الضرورة من المال . فقد الزيادة على قدر الضرورة مما هو محتاج إليه مغم مؤلم . ففي العبد عليه مجاهدة « 1 » ، وهو جهاد الفقر ، ووجود الزيادة نعمة . وشكرها أن تصرف في الطاعة ، وأن لا تستعمل في المعصية . فإن أضيف صبر الفاقد ، إلى شكر الواجد الذي صرف الزيادة في الخيرات ، فهذا الشكر أفضل من هذا الصبر ، لأن فيه فرح بأنعم اللّه ، وفيه صبر على احتمال ألم صرفه للفقراء ، وترك صرفه إلى التنعم المباح .
وأما إذا كان شكره لا يستعين به على معصية ، بل يصرفه إلى التنعم المباح ، فالصبر هناك أفضل من الشكر . فالفقير الصابر أفضل من الغني الصارف ماله إلى المباحات ، لا من الصارف ماله إلى الخيرات . فرب غني شاكر ، أفضل من فقير صابر ، وهو الذي لا يمسك لنفسه مالا إلا قدر الحاجة ، ويصرف الباقي في الخيرات . أو يمسكه على أنه خازن للمحتاجين . فمتى وجد محتاجا صرف إليه قدر حاجته ابتغاء مرضاة اللّه في نفع عباده . فهذا هو الغني الشاكر ، الذي هو أفضل من الفقير الصابر .
هامش
( 1 ) - المجاهدة : حمل النفس على المشاق البدنية ومخالفة الهوى على كل حال .