وأما المصائب المطلقة فالصبر عنها أيضا هو عين شكر النعمة التي امتنع من استعمالها في المعصية . فقد ظهر جريان حكم الصبر والشكر في فعل النعم المطلقة ، وفي الصبر عن المصائب المطلقة .
أما الصبر على المصائب المطلقة فلا معنى له بل حق تركها . بل كل مؤلم يمكن إزالته ومات بسببه مات عاصيا . وإنما يؤمر بالصبر على ما لم يمكن إزالته ، وقد صح أن اللّه تعالى لم يخلق شيئا إلا وفيه حكمة ونعمة . إما على جميع الخلق ، وإما على بعضهم . فإذا في كل معصية نعمة . إما على المبتلي وإما على غيره . فإذا كل حالة لا توصف أنها بلاء مطلق ، ولا نعمة مطلقة يجتمع فيها الصبر والشكر معا .
فإن قيل هما المتضادان فكيف يجتمعان إذ لا صبر إلا على مغم ، ولا شكر إلا على مفرح .
فاعلم أن الشيء قد يغتم به من وجه ، ويفرح به من وجه آخر ، فيكون الصبر من حيث الاغتمام ، ويكون الشكر من حيث الفرح . ومن آمن بأن أجر المصيبة خير من المصيبة ، تصور منه الشكر على المصيبة .
واعلم أن النعمة أفضل من البلاء . ولذلك قال رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم :
« سلوا اللّه العافية . فما أعطي عبد أفضل من العافية إلا اليقين » « 1 » .
أشار به إلى عافية القلب من مرض الجهل والشك . وقد كان يستعيذ باللّه من شر الدنيا والآخرة . ولأن البلاء إنما صار نعمة بالإضافة إلى ما هو أكبر منه ، إما في الدنيا ، وإما في الآخرة ، وبالإضافة إلى ما يرجى بالصبر عليه من الثواب .
وأما بيان أن الصبر أفضل أو الشكر ؟ فقد وقع فيه خلاف بعيد التحصيل ، والذي يوضح حقيقة هذه المسألة هو أن تعلم أن الصبر ، والشكر اسمان لمسمى واحد ، باعتبارين
هامش
( 1 ) - حديث : سلوا اللّه العافية فما أعطى عبد أفضل من العافية إلا اليقين .