فاعرفه مخلوقا تعالى ربه * عنه وهذا في العبادة كاف
وهذا لا يموت بموت بدن يبقى حيا مجردا . مرتسمة فيه ، وله ، وبه مكتسباته ، ومستفاداته ، ومعلوماته أبدا . مبتهجا بذاته المستعدة لقبول الفيض العلي . والمادة الثبوتية وإن علمه ، وعالمه ، ومعلومه واحد . وأنه في حفظ النفس الناطقة بالإمداد لها ، والتجلي كحفظها لنظام النفس الحيواني ، وكحفظ البدن بالنفس الحيواني على ما اقتضته الحكمة الإلهية .
مسألة ( 256 )
للإمام حجة الإسلام الغزالي ، قدّس اللّه سرّه .
قال رضي اللّه تعالى عنه : اعلم أن الحق تعالى إنما خفي مع ظهوره لشدة ظهوره .
فظهوره سبب بطونه ، ونوره حجاب نوره . ولعلك تتعجب من هذا الكلام ، وتستبعده ولا تفهمه إلا بمثال . فأقول :
لو وجدت كلمة مكتوبة لحصل لك يقين قاطع بوجود كاتب لها قادر سميع بصير .
ولم يدل عليه إلا صورة كلمة واحدة . كما شهدت هذه الكلمة شهادة قاطعة بصفات الكاتب فما من ذرة في السماوات والأرض ، من فلك ، وكوكب ، وشمس ، وقمر ، وحيوان ، ونبات . وصفة ، وموصوف ، إلا وهي شاهدة على نفسها بالحاجة إلى مدبر دبرها ، وخالق خلقها وقدرها وخصصها بخصوص صفاتها . بل لا ينظر الإنسان إلى عضو من أعضائه ، وجزء من أجزائه ظاهرا وباطنا . بل إلى صفة من صفاته ، وحالة من حالاته التي تجري عليه قهرا بغير اختياره إلا ويراها ناطقة بالشهادة بخالقها ، وقاهرها ، ومدبرها .
وكذلك كلما يدركه بجميع حواسه في ذاته ، وخارجا من ذاته ، ولكن لما كثرت الشهادات ، وأشفقت خفيت وغمضت بشدة الظهور .
ومثال هذا أن ظهر الأشياء ما يدرك بالحواس ، وأظهرها ما يدرك بحاسة البصر ، وأظهر ما يدرك بحاسة البصر نور الشمس والمشرق مع الأجسام ، الذي به يظهر كل شيء ، فما يظهر به كل شيء ، كيف لا يكون ظاهرا . ثم لو كانت الشمس دائمة لا