ثم البطن الوسط من بطون الدماغ الثلاثة ، مظهر للقوة المفكرة العاقلة الداركة المثبتة للحق حقا وللباطل باطلا ، وللصدق صدقا ، وللكذب كذبا . والقاضية في الخيال بما يجب ، وما يجوز ، وما يستحيل . ومظهرها وسط الوسط . وهي محسوسة في هذا البطن بالظهور بين قوتين مظهرهما به :
أحدهما : تسمى القوة المتوهمة : التي بها المتوهمة والوهم في الأشياء ، والتردد ، والتشكيك . وهذه في طرف البطن الذي يلي المتخيلة .
والثانية : تسمى القوة الفاهمة في الطرف من البطن مما يلي مؤخر الدماغ ، وبهذه نفهم الأشياء على اختلاف أحوالها ، ونفهم المعاني ، والمعقولات . ثم البطن الأخروية مظهر قوة الذكر .
وتسمى الذاكرة : وهي مما يلي الفاهمة بها التذكر لكل منسي وكل شيء كان علمه قد تقدم .
وآخر هذا البطن مظهر للقوة الحافظة : بها يحفظ الإنسان المعلوم ، والمعلومات ، وسائر المتحصلات لباقي القوى المذكورة .
فكما أن الحس المشترك قناص يحتوي باقتناصه على سائر المعقولات والمحسوسات ، وكأنما المتخيلة ناقد معتبر لكل ما في شبكة الحس المشترك من صيد .
هاتان القوتان بمنزلة الشياطين والفسّاق الماردين .
وكأنما القوة المفكرة ملك كريم ، وبشر عليم حليم ، ورجل جامع للخير والفضل .
وقوة الوهم حاجب بين يديه يعرض القصص عليه . وقوة الفهم كاتب حاسب لبيب ضابط يكتب أحسن ما يسمع ، ثم يلقيه إلى القوة الذاكرة ، فتحصله في ذكراها ثم تلقيه إلى القوة الحافظة التي هي بمنزلة اللوح والأمين الخازن . وكأنما هاتان القوتان ملائكة كرام ( لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) « 1 » . فافهم .
هامش
( 1 ) - آية رقم ( 6 ) من سورة التحريم ، مدنية .