ما يعرف الحقّ سوى نفسهم * إن عرفوا وكلّ ذا كنهه
فإن تجلّى لعيون الورى * رأوه منهم ولذا نزهوا
أنفسهم في بعض أقوالهم * قال به أربابه الوله « 1 »
تنزيههم عاد عليهم كما * جاء به النص الذي نزهوا
وفيه قال العبد سبحانه * عليه أهل اللّه قد نبهوا
فإنه ليس بأنفاسهم * ما اعتقد الناس وما شبهوا
وقال أيضا :
هذا الوجود ومن به يتجمل * إن الحديث كما يقول الأوّل
دلّ الدليل على حدوث واقع * عن محدث هو بالدلالة أكمل
إذ كان والأشياء لم يك عينها * فحدوثها فرق جليّ فيصل
عند الذي سبر الدليل بفكره * لكن متى في مثل ذا لا يعقل « 2 »
إنّ الزمان من الحوادث عينه * ومتى محال في الزمان فأجملوا
لو يعلمون كما علمت مكانه * ما كنت عنه بمثل هذا تسأل
لحدوثنا إذ لم نكن وظهورنا * في عيننا وكذا المكان ففصلوا
لو أنّ رسطاليس يسمع قولنا * ورجاله نظرا عليه عوّلوا « 3 »
أنصفت في التحقيق مذ بينت ما * دلّوا عليه بالدليل وأصّلوا « 4 »
والأشعريّ يقول مثل مقالتي * وإن أنصفوا وكذا الرجال الأوّل « 5 »
واللّه ما زلت بهم أقدامهم * لكن لفهم السامعين تزلزلوا
قد فرّقوا بين الوجوب لذاته * ولغيره فافهم لعلك تعقل « 6 »
هذا هو الإمكان عند جميعهم * فعن الحقيقة عندنا لم يعدلوا
لكنهم ما أنصفوا إذ نوظروا * في البحث بالسرّ الذي لا يجهل
لو أنهم سبروا أدلة عقلهم * وتوغلوا في قولهم وتأمّلوا
رأوا اتساع الحقّ من انصافهم * وقبوله للقول فيه فاقبلوا
إخوان صدق لا عداوة بينهم * فله العلوّ نزاهة والأسفل « 7 »
هامش
( 1 ) الوله : إفراط الوجد .
( 2 ) سبر الأمر : امتحن غوره .
( 3 ) أرسطو طاليس : أبو الفلسفة اليونانية .
( 4 ) التحقيق : تكلف العبد لاستدعاء الحقيقة جهده .
( 5 ) الأشعري : يريد أبا الحسن الأشعري المتكلم المتوفى سنة 324 ه .
( 6 ) الواجب الوجود : ما لا يتصور عدمه وهو اللّه تعالى وصفاته .
( 7 ) العلو : من صفات اللّه تعالى ، وهو أي العلو علو مكانة .