ولنت لصونه المخزون لما * ألان به الجلامد والحديدا « 1 »
وقد وافى على قوم قيام * فصيّرهم بهمته قعودا
وقال أيضا :
حكم الطبيعة في الأجسام معتبر * لأنها أصلها والأصل يعتبر
فانظر إليها إذا طال الزمان بها * تبدّد الشمل لا تبقي ولا تذر
في النار ينضجها وفي الجنان لها * حكم علينا كما تدرون فادّكروا
إن العذاب لها مثل النعيم بها * وذنبها عند أهل الكشف مغتفر
اللّه حكّمها فينا وأحكمها * فما لها عن نفوذ حكمه وزر
بها يعذبنا بها ينعمنا * وليس يخلص من أحكامها بشر
سبحان من أوسع الأشياء رحمته * في الخير والشر علما هكذا الخبر
جل الإله فما تحصى عوارفه * فالكلّ منه كما قد شاءه القدر
وقال أيضا :
الحمد للّه جلّ اللّه من واق * الكلّ يفنى ووجه الواحد الباقي « 2 »
يقال عند فراق النفس من راق * يا ليت شعري وهل في الكون من راق
اللّه يعلم هذا لا يكون ومن * يردّ كأس المنايا أو هو الساقي
هو المنجي إذا ما الساق تبصرها * يوم القيام له تلتف بالساق « 3 »
إنّ المكارم من خلقي ومن شيمي * فقد وسعت الورى جودا بأخلاقي
لو أنّ لي كلّ ما تحوي خزائنه * لما وفت بالذي عندي من أرزاق
إني فطرت على أخلاق خالقنا * والأمر ما بين مرزوق ورزّاق
فالرزق يطلبنا ما نحن نطلبه * وذا دليل على طيب بأعراق
ما كنت أحسب أنّ الأمر منه كذا * حتى علمت بذاتي أنني الواقي
فليس يحكم فينا غير أنفسنا * عدلا وجورا فدائي عين درياقي
تدبير علم بتفصيل لنشأتنا * فكم نرى ذاك عن حكم بأوفاق
إني حننت إلى ذاتي لأبصرها * من أجل صورته حنين مشتاق
هبت عليّ رياح القرب من كثب * شممت من عرفها أنفاس عشّاق « 4 »
هامش
( 1 ) الجلامد : الصخور .
( 2 ) الفناء : سقوط الأوصاف المذمومة . وقيل : هو الانقطاع عن الخلق وعن التردد إليهم .
( 3 ) إشارة إلى قوله تعالى :وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ : إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُسورة القيامة ، آية : 29 .
( 4 ) العرف : الرائحة . العشق : أقصى درجات المحبة . وأولى الدرجات الغزام ثم الافتتان ثم الوله ثم الدهش وأخيرا العراق .