أيا كعبة الأشهاد يا حرم الأنس * ويا زمزم الآمال زمّ على النّفس
سرى البيت نحو البيت يبغي وصاله * وطهر بالتحقيق من دنس اللبس
فيا حسرتي يوما ببطن محسر * وقد دلّني الوادي على سقر الرّجس « 1 »
تجرّعت بالجرعاء كأس ندامة * على مشهد قد كان مني بالأمس « 2 »
وما خفت بالخيف ارتحالي وإنما * أخاف على ذي النفس من ظلمة الرّمس « 3 »
لمزدلف الحجاج أعملت ناقتي * لأنعم بالزّلفى وألحق بالجنس « 4 »
جمعت بجمع بين عيني وشاهدي * بوترين لم أشهد به رتبة النفس
خلعت الأماني بعد ما كنت في منى * وطوّفتها فانظره بالطرد والعكس
ففي الجمرات الغرّ في رونق الضحى * حصبت عدوّ الجهل فارتدّ في نكس
ركنت إلى الركن اليماني لأن في اس * تلام اليماني اليمن في جنة القدس
صفيت على حكم الصفا عن حقيقتي * فما أنا من عرب فصاح ولا فرس
أقمت أناجي بالمقام مهيمنا * تعالى عن التحديد بالفصل والجنس
فشاهدته في بيعة الحجر الذي * تسوّد من نكث العهود لذي اللمس « 5 »
وبالحجر حجرت الوجود وكونه * عليّ فلا يغدو الزمان ولا يمسي
وفي رمضان قال لي تعرف الذي * تشاهده بين المهابة والأنس
فلما قضيت الحج أعلنت منشدا * بسيري بين الجهر للذات والهمس
سفينة إحساسي ركبت فلم تزل * تسيرها أرواح أفكاره الخرس
فلما عدت بحر الوجود وعاينت * بسيف النهي من جلّ عن رتبة الأنس « 6 »
دعاني به عبدي فلبّيت طائعا * تأمل فهذا القطف فوق جنى الغرس
فعاينت موجودا بلا عين مبصر * وسرّح عيني فانطلقت من الحبس
فكنت كموسى حين قال لربّه * أريد أرى ذاتا تعالت عن الحسّ
فدكّ الجبال الراسيات جلاله * وأصعق موسى فاختفى العرش في الكرسي
وكنت كخفّاش أراد تمتعا * بشمس الضحى فانهدّ من لمحة الشمس
فلا ذاته أبقى ولا أدرك المنى * وغودر في الأموات جسما بلا نفس
ولكنني أدعي على القرب والنوى * بلا كيف بالبعل الكريم وبالعرس
هامش
( 1 ) سقر : جهنم . الرجس : القذر .
( 2 ) الجرعاء : الرملة الطيبة المنبت لا وعوثة فيها .
( 3 ) الخيف : الناحية ، وموضع . الرمس : القبر .
( 4 ) الزّلفى : القربى .
( 5 ) نكث العهد : نقضه .
( 6 ) النّهى : العقل .