يتخيل المسكين أنّ علومها * ما بين أوراق الكتاب تسطر
هيهات بل ما أودعوا في كتبهم * إلا يسيرا من أمور تعسر
لا يقرأ الأقوام غير نفوسهم * في حالهم مع ربّهم هل يحصر
فترى الدخيل يقيس فيه برأيه * ليقال هذا منهم فيكبر
وتناقضت أقواله إن لم يكن * عن حاله فيما تقدّم يخبر
علم الطريقة لا ينال براحة * ومقايس فاجهد لعلك تظفر
غرّت علوم القوم عن إدراك من * لا يعتريه صبابة وتحيّر
وتنفّس مما يجنّ وأنة * وجوى يزيد وعبرة لا تفتر
وتذلّل وتولّه في غيبة * وتلذّذ بمشاهد لا تظهر
وتقبض عند الشهود وغيرة * إن قام شخص بالشريعة يسخر
وتخشع وتفجّع وتشرّع * بتشرّع للّه لا يتغير
هذا مقام القوم في أحوالهم * ليسوا كمن قال الشريعة مزجر
ثم ادّعى أنّ الحقيقة خالفت * ما الشرع جاء به ولكن تستّر
تبّا لها من قالة من جاحد * ويل له يوم الجحيم يسعر
أو من يشاهد في المشاهد مطرقا * ليقال هذا عابد متفكّر
هذا مرائي لا يلذ براحة * في نفسه إلا سويعة يتطيّر « 1 »
لكنه من ذاك أسعد حالة * وله النعيم إذا الجهول يفطر
وقال أيضا في باب الحال الموسوي :
كان لي قلب فلما ارتحل * بقي الجسم محلّ العلل
كان بدرا طالعا إذ أتى * مغرب التوحيد ثم أفل
زاده شوقا إلى ربّه * صاحب الصعقة يوم الجبل
لم يزل يشكو الجوى والنوى * ليلة الاثنين حتى اتصل « 2 »
فدنا من حضرة لم تزل * تهب الأرواح سرّ الأزل
قرع الأبواب لمّا دنا * قيل من أنت فقال : الحجل
قيل : أهلا سعة مرحبا * فتح الباب فلما دخل
خرّ في حضرته ساجدا * وانمحى رسم البقا وانسجل « 3 »
وشكا العهد فجاء الندا * يا عبيدي زال وقت العمل
رأسك ارفع هذه حضرتي * وأنا الحقّ فلا تنتعل
هامش
( 1 ) مرائي ، من الرياء أي الكذب .
( 2 ) الجوى : الحزن . النوى : البعد .
( 3 ) يقال : انسجل الماء أي : انصب .