عليّ وقال لي : أريد أن تقبلني في فمي فضمني وقبلته في فمه ، فقال العز بن عبد السلام :
ما هذا ؟ فقلت له : أنا في رؤيا والتقبيل قبول يطلبه مني فإنه شخص قد حسن الظنّ بي وقد خطر له قصر أمله وقبيح عمله واقتراب أجله ، ثم قمت فعضدته حتى ركب وانصرف . ثم قال لي العز بالإيماء والتلويح لا بالتصريح : كيف حالك مع أهلك ؟ فكنت أنشده بيتين ما طرقا سمعي قبل ذلك ، بل كان اللّه ينطقني في ذلك الوقت بهما وهما :
إذا رأى أهل بيتي الكيس ممتلئا * تبسمت ودنت مني تمازحني
وإن رأته خليا من دراهمه * تكرّهت وانثنت عني تقابحني
فكان يقول لي في إشارته : كلنا مع الأهل ذلك الرجل واللّه لقد صدقت . وههنا انتهت المبشرة واللّه الواقي .
وقال أيضا يشير إلى شخص معين :
واللّه لا ناله مما أنا سبد * من المعارف والزّلفى ولا لبد « 1 »
ولا تعين في شيء يكون لنا * ولو يعيش الذي قد عاشه لبد « 2 »
للّه قوم لهم علم ومعرفة * وهم عليه إذا يدعوهم لبد
عمي وأبصارهم بالنور ناظرة * لو يشهدون الذي شهدته شهدوا
لا يشهدون وإن قامت حقائقهم * بهم معاينة من ربهم شهدوا
إن العبيد الذين الحق عينهم * لنفسه واصطفاهم كلهم عبدوا
جلاله واستمروا في عبادته * ولو تجلى لهم في عينهم عبدوا
ولا تردّد فيه من تردّده * إلا رجال به من نفسهم عبدوا
لذاك أنزلهم في الخلق منزلة * بها على كل حال في الورى عبدوا
لنا حبيب نزيه الذات في خلدي * وما تضمنه روح ولا جسد
من أجله قام بي ما يشهدون به * المسك والندّ والتخليق والجسد
وإنني لتجليه إذا نظرت * عين المحقق في ذاتي له جسد
لما تعين مني ما اتصفت به * لذاك قام بمن يدري به الحسد
دنوا من الحضرة العلياء حين بدت * أعلام صدقهم منهم وما بعدوا
إن أسلدت حجب الأغيار ودونهم * أبقاهم وبرفع الستر قد بعدوا
للّه قوم غزاة ما لهم عدد * وإن أسماءه الحسنى هي العدد
مقدّم العسكر الجرّار سيدهم * وهم كثيرون لا يحصى لهم عدد
هامش
( 1 ) ما له سبد ولا كبد : أي ما له قليل أو كثير . والزّلف : القربة .
( 2 ) لبد : هو واحد من سبعة نسور اختارها لقمان ، وكان لبد أطولها عمرا .