وقال أيضا في نعت المؤمنين الصادقين ومقامهم من روح المؤمنين :
قد أفلح المؤمنون الصادقون بما * رأوه في صدقهم من كل معلوم
هم الأعزّاء لا جاه ولا شرف * إلا بشربهم من عين تسنيم « 1 »
إن قالوا قالوا به وقال قالوا به * فهم بما نعتوا بكل تقسيم
عين له وهو عين ثابت لهم * فلا يصرّفهم إلا بترسيم
بمثل ذا أثبت البرهان جبرهم * فلا اختيار لهم من غير تتميم
تمّ الوجود بهم إذ كان ينقصه * أعيانهم وهو حال النون والميم
لذاك تبصرهم إذا تعاينهم * في زينة اللّه في أحوال تعظيم
وقال أيضا في تقسيم الأنوار والظلم من روح النور :
اللّه نوّر أفلاكا بأنجمها * ليهتدى في ظلام الليل في الطرق
ونوّر الجوّ بالبيضاء شارقة * ونوّر العقل بالتوحيد والخلق « 2 »
ونوّر القلب أنوارا منوّعة * لأنه وسع المذكور في العلق
ونور البدر بالبيضاء إن غربت * وجدّ في سيره بالنصّ والعنق « 3 »
كما ينوّر آفاقا يشاهدها * شرقا وغربا من الإشفاق بالشّفق
ونور الجسم بالأرواح فانتشرت * أنواره كانتشار النور في الفلق
ونور الأرض بالأزهار فابتسمت * عن أحمر ناصع وأبيض يقق « 4 »
وأظلم السّرّ بالهوا حيث ما وقعت * من الطباق التي أظهرن عن طبق
وأظلم العقل في أفكاره نظرا * وأظلم النفس بالأطماع والعلق
وأظلم المتعدي من طبيعته * بالأكل من جرض والشرب من شرق « 5 »
وأظلم الولد المخلوق من نطف * مكنونة بثلاث جئن في نسق « 6 »
فليس من نور إلا قد يقابله * ضدّ كما قابل الإشراق بالغسق « 7 »
من أجل ذا ضل فإن في مقالته * باثنين وافترقوا في ذا على فرق
هامش
( 1 ) التسنيم : ماء بالجنة يجري فوق الغرف .
( 2 ) أراد بالبيضاء الشمس . والبيضاء عند الصوفيين العقل الأول .
( 3 ) النّص والعنق : ضربان لسير الناقة ، الأول سريع ، والعنق : سير مسبطر للإبل .
( 4 ) أبيض يقق : شديد البياض .
( 5 ) الجرض : الغصص . الشّرق : الغصص بالماء .
( 6 ) يريد الظلمات الثلاث التي تحجب الجنين في بطن أمه ، كما قررت ذلك الآية الكريمة :يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍالزمر آية : 6 .
( 7 ) الغسق : ظلمة أول الليل .