وكذلك النفس إذا اتصلت بها نيران الهوى والشهوة ونيران الشيطنة ، تحرّكت كذلك ؛ ثمّ لا تزال تظلم جوارح الأبدان ، فتسترد منها القوى والأغذية ، حتى تقوم . فحسم هذه المادة - حينئذ - بتغيّر الصورة ؛ وهذا سرّ قولنا : ومن العصمة أن لا تقدر « 1 » .
فإن العصمة قد تكون بلا واسطة - كعصمة الأنبياء والملائكة - وقد تكون بواسطة واحدة ؛ وقد تكون بألف وسائط ، كالسلسلة ، يشاهدها السّيّار النبيه اليقظان ويذهل عنها الغافل الجاهل الحيران . .
فالأول « 2 » لا يشاهد إلّا ربّه ، والثاني لا يشاهد إلّا نفسه ؛ فالسّيّار في البداية يشاهد السبب ، ثمّ المسبّب ، ثمّ يألف زمانا إلى السبب والمسبّب بعده ، حتى يشاهدهما معا ، ثمّ يختار الباقي ويذر الفاني ، فلا يرى إلّا المسبّب . وهذا معنى قول بعض المشايخ ، قدّس اللّه أرواحهم : فرأيت اللّه بعد كلّ شئ ، ثمّ رأيته مع كلّ شئ ، ثمّ رأيته قبل كلّ شئ « 3 » .
هامش
- لا ترفعوا عصا المجاهدة عن نفوسكم ، فبدوام المجاهدات تنفتح عيناها وينطبق لسانها ويزول خبلها وجهلها ، وهذا ما يجيىء بمجاهدة ساعة بل يحتاج دوام ساعة بعد ساعة ويوم بعد يوم وسنة بعد سنة ( الفتح الرباني ص 166 ) .
( 1 ) يقصد : إن عدم امتلاك الفرصة كالمقدرة على إتيان الرذيلة هو نوع من العصمة منها .
وهو معنى قريب من قوله صلّى اللّه عليه وسلم : من حام حول الحمى أو شك أن يواقعه . ولذا نصح الصوفية بالابتعاد عن كل ما يقود للمعاصي ، واجتنبوا الشبهات . . وهذا معنى الورع .
( 2 ) يقصد ؛ السّيّار .
( 3 ) هناك عدة عبارات صوفية في ذلك ، هي على الترتيب :
- ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه بعده .
- ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله .
- ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه معه .
- ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه فيه .