إليها ، فأخرجونى من الخلوة في الحادي عشر ، ثمّ بقيت خارج الخلوة بقدر ما زال عنّى وجع ضرب الخلوة ؛ وأردت الخلوة ، فقلت في نفسي : « إن دخلت الخلوة كما دخلت ، أخرجت منها كما أخرجت ؛ ولكن أدخل مدخل صدق ، حتى أخرج مخرج صدق » .
فصفيت النيّة لأجله « 1 » ، ووضعت الروح بالكفّ ، وقلت :
« ها هي « 2 » ذا ، خذها » ووقفت الكتب ، ووهبت الثياب ، وتصدّقت بالدراهم ، ونبذت الدّنيا وراء ظهري ، وجعلت القيامة بين يدىّ ، وخلعت عذار « 3 » العار والشّنار « 4 » أن يقول الناس فىّ : « ذلّ واستكان ، أو جنّ وكان من أمره ما كان » وجعلت النفس بين يدي الشيخ ، مثل الميت على اللوح بين يدي الغاسل « 5 » . وقلت : « الساعة أدخل القبر ، فلا أنشر منه إلى يوم القيامة » . . حتى قلت : « هذه البقية من الثياب ، كفنى ؛ فإن قويت الخواطر بالخروج من الخلوة ، مزّقت ثيابي على البدن خرقا خرقا ، حتى أستحى من الناس فلا أخرج ، فيكون لباسى جدران الخلوة » . وذلك كله من شدة شوقى إلى طلب النجاة . . فلما دخلت هكذا ، ما خرجت عنها إلا بإذن الشيخ .
هامش
( 1 ) أي لأجل اللّه تعالى .
( 2 ) . . . هو .
( 3 ) خلع العذار ؛ إشارة إلى التجرد عن أسباب الدنيا . . ويتكرر هذا التعبير كثيرا عند الصوفية ، خاصة في شعر ابن الفارض .
( 4 ) الشنار : الخزي والعار .
( 5 ) المريد بين يدي شيخه ( ربه ) كالميت بين يدي الغاسل ، عبارة صوفية شهيرة تتردد في متون كتب التصوف منذ وقت مبكر ، وتنسب لغير واحد من أهل الطريق .