استغراقه في الذكر إلى حدّ يسمع الذكر من صدره ، ولكنه إذا سمع صوتا أو رأى شيئا من عالم الشهادة ، تشوّش عليه الذكر ، وحرج صدره ، وغضب وأنكر . فكان الشيخ يوصى مريديه فيقول : لا تكونوا مثله ! معناه : صحّحوا الأنس به حتى لا يشوّشكم شئ ، فإن الذاكر قد جعل الذكر الصافي ، وشواهده ، وطيرانه ، معبودا له من دون اللّه ، فكان - لا جرم - يتشوّش عليه بخاطر يخطر على قلبه ، وصوت يسمع ، وشئ يراه .
[ أسرار الذكر ]
يصل السّيّار الذاكر إلى مقام يقال له : لا تذكر ، لترى الذكر كيف يذكرك ، وإنه مذكور وليس بذاكر ! والإنسان - أبدا - مذكور الحقّ ، إلا أنه من كثرة الظلمات وكثافة الحجب ، لا يسمع ولا يجد ذلك . فإذا استغرق في الذكر ، أمره الشيخ بترك الذكر ، حتى لا يقف موقف المنقطعين ؛ فإنه وقوف في الصفات وانقطاع عن الذات .
وقد ينتهى السّيّار بعد مدّة مديدة من الذكر باللسان ، إلى حدّ يسأم القلب عن ذكر اللسان ، ويكون ذكر اللسان تشويشا له ، فيمنع اللسان عن الذكر ، ويدوم حضوره بالقلب ، فلا يجرى الذكر على لسانه سنين
هامش
- مرآة الجنان 3 / 372 - طبقات الشافعية للسبكي 7 / 173 - طبقات الإسنوى 2 / 64 - البداية والنهاية 12 / 254 - النجوم الزاهرة 5 / 380 - طبقات الشعراني 1 / 140 - شذرات الذهب 4 / 208 - هدية العارفين 1 / 606 .