تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فوائح الجمال وفواتح الجلال — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
قال شيخى عمّار : إذا دخلت الخلوة ، فلا تحدّث نفسك بأنك تخرج منها بعد الأربعين « 1 » ؛ فإن حدّث نفسه بذلك ، أخرج في اليوم الأول . . ولكن حدّثها بأن هذا قبرك إلى يوم القيامة ! قال : وهذا دقيق ، لا ينتبه إليه إلا البالغون . ولا يأنس السّيّار إلى الخلوة ، حتى يحاربه كلّ من عاشره وصاحبه ورآه وملكه ؛ وإنما يحاربه لأنه كان إلهه قبل الخلوة ، فلما أن خلا باللّه وأعرض عن كلّ شئ ، جاءه كلّ شئ يدعوه أن يعبده من دون اللّه ، فإذا جاهد في اللّه ، ونصره اللّه عليهم ، صحّت خلوته وخلوّه عنهم ، فيأنس إذن إلى الخلوة ، ثمّ إذا أنس إلى الخلوة استوحش عن ضدّها ، وحينئذ يأنس إلى ذكر من الخلوة لأجله ؛ وهو ذكر الحقّ سبحانه وتعالى . قد يسبق الأنس بالذكر ، ولكنهما في الجملة يتسابقان ، يتعاقبان ؛ وسرّ المسابقة أنه قد يكون في أول طريق السّيّار : الوحشة عن الأضداد ، فيأنس إلى الخلوة ثم يقوم في طلب الأنيس . وقد يكون في أول طريقه :
هامش
( 1 ) الأربعين هنا إشارة إلى ما يعرف عند الصوفية بالأربعينية ، وهي قضاء أربعين يوما متواليا في الخلوة . وقد عقد السهروردي ثلاثة أبواب حول هذا الموضوع ، بدأها بالباب السادس والعشرين من « عوارف المعارف » بعنوان ( في خاصية الأربعينية التي يتعاهدها الصوفية ) وفيه يقول : ليس مطلوب القوم من الأربعين شيئا مخصوصا لا يطلبونه في غيرها ، ولكن لما طرقتهم مخالفات حكم الأوقات أحبوا تقييد الوقت بأربعين رجاء أن ينسحب حكم الأربعين على جميع زمانهم ، فيكونوا في جميع أوقاتهم كهيئتهم في الأربعين ؛ على أن الأربعين خصت بالذكر في قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « من أخلص للّه أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » وقد خص اللّه تعالى الأربعين بالذكر في قصة موسى عليه السلام . . ( عوارف المعارف ص 121 ) .