[ بيان أمر الهمة ]
وللهمة بدايات ونهايات . . فبدايتها الإرادة ، ثمّ الطلب ، ثم الربط « 1 » ، ثمّ التصرّف « 2 » ، ثمّ الكون « 3 » . والهمّة قدرة ، والسّرّ يجمّح الهمّة وقدرة الحق ، والإرادة والطلب من القلب ، والروح لا يخفى ، إنما يكشف عن الربط الذوقى به . فنقول : إذا قويت الإرادة واشتدّت ، وصدق الطلب ؛ حصل بين صاحب الهمة والمطلوب رابطة ، إما بإيجاد ، أو إفناء . مثل السلسلة بين الشيئين ، أو الرمح الحاصل بين يدي المبارز وصدر الآخر ، أو السهم ، أو النور بين الشمس والأرض . . واللّه يربط على قلوب عباده المنيبين إليه ، بنور منه . ويذوق السّيّار رابطة بينه وبين السماء ، كأنهما شئ واحد ؛ وهو قد يرى سلسلة من السماء إلى قلبه ، وهو معتصم بها - وهو حبل اللّه « 4 » - حين تتزكّى الأجزاء السماوية . .
وقد شاهدنا الهمّة في صورة رجل - كان ينفصل عنّا في كلّ نفس ولحظة - يصعد إلى السماء ، وذلك عند التكوين .
كنت صبيّا وقد بتّ في دار ، وحيدا ، لأحفظ فيها أقمشة ، فما زال يوسوسنى الشيطان ، وتحدّثنى النفس بدخول السارق - وكانت الأبواب مغلقة - حتى هممت تكوين السارق بواسطة بطلان الحواس ، من شدة
هامش
( 1 ) أي ربط القلب بالمرار .
( 2 ) هو تصرف الإرادة في عالم المحسوسات .
( 3 ) يقصد « التكوين » وهو المرتبة التالية للتصرف ، وفيه تكوين للهمة قدرة على تكوين الصور الحسية ، كما سيوضح الشيخ في الواقعة التي سيذكرها في الفقرة التالية .
( 4 ) الآية :وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاًسورة آل عمران ، آية 103 .