الوقت وقاموا للرقص « 1 » ، والجنيد قاعد لم يتحرك ، فحسبوا أن الرقص عنده حرام ، فسألوه عن ذلك فقال :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً
الآية « 2 » .
فالراقص يستولى عليه البسط فيملكه ، والشيخ لا يملكه شئ ، وإنما هو يملك الأحوال . . وكذلك أبو الحسين النّورى « 3 » ، كان قاعدا في السماع ، فتحرّك القوم للدوران وهو قاعد - كأنه جماد - لم يتحرّك ، فحسب القوم أنه ما أثّر فيه السماع ؛ فلما كان بعد ساعة ، تفصّد جبينه وطار الدّم ، وإنما طار الدّم ، لأجل ترقّى الحالة إلى نهايتها ، فإن الحالة إذا انتهت - ومقامها الروح ، والدّم عرش الروح - انفتحت العروق وامتلأت ، وانفطرت ، إذ لم يكن فيها للحالة مجال .
هامش
( 1 ) دخل الرقص في مجالس السماع الصوفي في وقت متأخر نسبيّا ، ثم داوم عليه « المولوية » أتباع مولانا جلال الدين الرومي الذي كان يقول : لا يفنى في اللّه من لم يعرف قوة الرقص .
( 2 ) بقية الآية :وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ. والمعنى : أنه ثابت الظاهر كالجبال ، لكن باطنه مثلها يضطرم ويطير من الوجد .
( 3 ) هو أحمد بن محمد النوري الخراساني ، من كبار رجال التصوف في القرن الثالث الهجري . انظر ترجمته في : طبقات الصوفية ص 164 - حلية الأولياء 10 / 249 - تاريخ بغداد 5 / 130 - الرسالة القشيرية ص 20 - الأنساب ص 570 - صفة الصفوة 2 / 439 - المنتظم 6 / 77 - البداية والنهاية 11 / 106 - النجوم الزاهرة 3 / 163 - سير أعلام النبلاء 14 / 70 .
وقد مات النوري ميتة درامية ، فقد سمع يوما بيتا شعريّا يقول :ما زلت أنزل من ودادك منزلا * تتحير الألباب عند نزولهفقام وتواجد وهام على وجهه ، فدخل حقلا للقصب كان قصبه قد قطع وبقيت أصوله في الأرض كالسيوف ، فظل الدم ينزف منه وهو يعدو ويعيد البيت . . ومات بذلك .