أما إذا تفاوتا في الذات أو الصفة ، فإنه يتفاوت السّيّار والطّيّار بهما ، لأن الثقيل يجذبه إلى التحت والخفيف يقلّه إلى الفوق ، وإذا كان أحدهما أقوى من الآخر ، فيقدّمه الأقوى ويخلّفه الأضعف ، فيقف السّيّار . . أو يكون أحدهما أكثر حركة من الآخر ، فيوجب الاختلاف فيهما ، الحيد عن الطريق السوى والصراط المستقيم ، الذي هو أدقّ من الشّعر ، لأنه لو كان مثل الشّعر لكانت فيه فسحة الحيد ! ومن ترجّح خوفه على رجائه ، وقع في زمهرير الأفكار ؛ ومن ترجّح رجاؤه ، زلّ عن الصراط في جحيم الاغترار . وصفة الحق العدل « شديد العقاب ذي الطّول » « 1 » فعقابه أوجب له جناح الخوف ، وفضله أوجب له جناح الرجاء .
واعلم أن هذين الجناحين في ميدان الطفل ، ولا يتبدلان حتى يستقيم فيه ، فإن الاستقامة سبب العبور على الصراط ؛ إما أن يزلّ بمعصية فيزيد خوفه ، أو يغترّ بعبادة فيعثر بها ! فلا طمع في العبور . . وهكذا دأب الأطفال ، يبقون في زمهرير الخوف مدّة ، وقد يبقون في جحيم الرجاء مدّة ، وقد يستقيمون فيها مدّة ؛ وذلك لنقصهم وضعفهم ، وهو مقام « التلوين » في مقام « الخوف والرجاء » . وكلّ صاحب مقام وحال ، فلا بد أن يكون فيه - في البداية - ملوّنا ، وفي النهاية مستقيما متمكنا . .
فإذا استقام وتمكّن ، تمكّن من العبور على الصراط .
وعند الاستقامة في الخوف والرجاء ، يدخل في أول حدود الكهل ، وهو القبض والبسط . وفي القبض والبسط من الشرائط والبيان ، مثل
هامش
( 1 ) الآية :غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِسورة غافر ، آية 3 .