وقولنا « من فان إلى فان إلى فان » : فإنه من المال ، والمال فان في فان ، فإنه قوّة في النفس والشهوة ، فإنهما فانيتان - فإن النفس والشهوة لما تولّتا عن سواء الطريق والمنهج المستقيم فنيتا في مفاوز الهيبة - فإن قيل :
أليست الهيبة في طريق القلب والروح ؟ قلنا : بلى ، ولكنهما حقّان قاصدان الحق ، فعلا ما أمرهما الحقّ ، وما عصياه ، وبذلا الجهد في الطلب . فإذا برزت عليها سواطع الهيبة ، أدركتهما أنوار الجلال والرحمة والإفضال ؛ فلا يذوقان خوفا وفزعا - لمكانتهما من لطف الحقّ - فإذا كان الهوى والشهوة في صحبتهما ، وحملت عليهما « 1 » بوادر الهيبة ، ظهرت حقيقة الإنابة وسرّ الاستعاذة في الهوى والشهوة ، فيلتبسان بأذيال القلب والروح ، ويظهر في القلب والروح سرّ التسليم والتفويض والرضا والتوكّل ، بالتبرؤ عن الحلول والقوة مع حسن الظن بقلب القلوب وروح الأرواح ، فيدركها نور الجمال والرحمة ، فيستأنسان به ، فيبقى القلب والروح بالرّبّ ، والهوى والشهوة بالروح والقلب ، فينجون جميعا ، فهم القوم لا يشقى بهم جليس « 2 » . . وهو سرّ الرفيق في الطريق .
والمقام للنزول والاستراحة عن تعب السير . فالحال بمنزلة أسباب السفر ، والمقام بمنزلة « المنازل » في الطريق . . أو نقول : الحال بمنزلة الجناحين للطير ، والمقام بمنزلة الوكرله .
هامش
( 1 ) . . . عليهم !
( 2 ) الحديث : هم القوم لا يشقى بهم جليس ( أخرجه البخاري في الدعوات 66 والترمذي في الدعوات أيضا 66 ) .