ولا بد للسّيّار من قوّتين مختلفتين في حالة واحدة ، نبعتا من معنى واحد ، سواء كان السّيّار مبتدئا أو متوسطا أو منتهيا - والمبتدئ طفل الطريق ، والمتوسط كهل « 1 » الطريق ، والمنتهى شيخ الطريق - وهاتان القوتان يجب أن تكونا متساويتين ككفتىّ الميزان ؛ ومن كشف هذا السّرّ يتجلّى الميزان ، ويعلم معنى قوله : الصراط أدقّ من الشّعرة وأحدّ من السيف « 2 » .
وليس جناح المنتهى مثل جناح الكهل ، ولا جناح الكهل كجناح الطفل . اعتبر هذا بجناح النّسر وبغاث الطير « 3 » ! فجناحا الطفل الخوف والرجاء « 4 » ، وجناحا الكهل القبض والبسط « 5 » ، وجناحا الشيخ الأنس والهيبة ؛ ومنهما يترقّى إلى جناحي المعرفة والمحبة ، والفناء والبقاء ، والوصل والفصل ، والصحو والسّكر ، والمحو والإثبات . وهذان الجناحان إنما يصحّ الطيران بهما ، إذا كانا متساويين في الذات والتحريك ،
هامش
( 1 ) الكهل : الذي عمره من الثلاثين إلى الخمسين .
( 2 ) راجع الأحاديث النبوية الخاصة بالصراط في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي 3 / 300 ( طبعة بريل - لندن 1955 ) .
( 3 ) البغاث : كل طائر ليس من جوارح الطير ، ويقال : هو اسم للجنس من الطير الذي يصاد ( لسان العرب 1 / 238 ) .
( 4 ) في الحديث الشريف : الخوف والرجاء جناحا الإيمان .
( 5 ) القبض : هو في مقام القلب بمثابة الرجاء في مقام النفس ؛ يقول القاشاني : وهو وارد قبول ولطف ورحمة وأنس . ويقابله وارد القبض ، كالخوف في مقابلة الرجاء في مقام النفس . . والبسط هو أن يبسط اللّه العبد مع الخلق ظاهرا ، ويقبضه اللّه إليه باطنا ، رحمة للخلق . وهو يسع الأشياء ولا يسعه شئ ، ويؤثر في كل شئ ولا يؤثر فيه شئ ( اصطلاحات الصوفية ص 37 ) .