وقد يغيب السّيّار ، فيرفعه الحقّ إليه ، فيجد ذوق الربوبية في نفسه ، وهذا الذوق يكون كطرفة العين ، وهذا أسنى المقامات والكرامات ، أن يذيقه اللّه - عزّ اسمه - ذلك الذوق . فإن السّيّار لا يزال مع الحق - سبحانه - في عتاب وجدال ، يقول : ما الذي أوجب أن تكون ربّا وأكون مربوبا ؟ وتكون خالقا وأكون مخلوقا ؟ وتكون قديما وأكون محدثا ؟ ! فيذيقه اللّه هذا المذاق ، فيستريح من ذلك التحيّر والعتاب .
والعارف واقف ، والمتحيّر يسير « 1 » . . بل العارف المطلق هو اللّه ، وغيره متعارف .
ولا مقام ينال ، إلا وبعده أسنى من ذلك ، فإن « 2 » الذوق للقدم ، وإن كان سنيّا ، فدوام هذا الذوق أسنى منه . وهذا ميدان فسيح ، لا يدرك حدّه إلا بعد الهلاك والرجوع إليه ، ولا يدرك الهلاك إلا بعد ركوب هول عظيم ، وهو بذل الروح ، كما فعل « الحسين « 3 » » في قوله :
أنا الحق « 4 » .
هامش
( 1 ) + أ : أخذ نجم الدين هذا القول من شيخه روزبهان الفارسي ، فإنه قال في رسالته التي لا اسم لها : سمعت الشيخ روزبهان الفارسي يقول : من كان عارفا كان ( في الأصل :
فكان ) واقفا ، ومن كان حائرا كان سائرا لذلك ( نسخة شهيد على بإسطنبول برقم 1395 ورقة 64 أ ) .
( 2 ) العبارة التالية ساقطة من ب .
( 3 ) الحسين بن منصور « الحلاج » . . القائل : تهدى الأضاحي وأهدى مهجتي ودمى ! والقائل : إن كان سفك دمى أقصى مرادكم ، فما غلت نظرة منكم بسفك دمى !
( 4 ) تلك هي اللفظة التي حوكم الحلاج بسببها ، فانتهت المحاكمة بقتله قتلة شنعاء . . والمعنى هنا : أن الحلاج « بذل روحه » بتصريحه بتلك الأقوال ( أنا الحق - ما في الجبة غير اللّه ) وما شابهها ، إذ أعطى بها لمعاصريه حقّ التصرف في دمه ؛ انظر ما سيأتي .