والهلاك والفناء واحد ، يقول في مناجاته : ناسوتيّتى استهلكت في لاهوتيّتك ، فبحقّ ناسوتيّتى على لاهوتيّتك ، أن تغفر لمن ابتغى قتلى « 1 » !
والاستهلاك أثر المحبة . فأول المحبة طلب المحبوب للنفس ، ثمّ بذل النفس له ، ثمّ نسيان الاثنينية ، ثمّ الفناء في الوحدانية . . وهذا قد ذقناه ، حالة مستمرة دائمة في المخلوقين ، ولكن هذا ميدان قريب المدرك والوصول إلى حدّه . وميدان الفردانية بعيد المدرك - كما قلنا - وكل متاع فبثمن المثل « 2 » .
[ من المحبة إلى العشق ]
سئل الجنيد عن العشق ، فقال : لا أدرى ما هو ! ولكن رأيت رجلا أعمى عشق صبيّا ، وكان الصبى لا ينقاد له ، فقال الأعمى : يا حبيبي ،
هامش
( 1 ) قال الحلاج يوم مقتله ، مناجيا ربه :
نحن بشواهدك نلوذ وبسنا عزتك نستضيىء لتبدى لنا ما شئت من شأنك وأنت الذي في السماء عرشك وأنت الذي في السماء إله . . وفي الأرض إله . .
وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلى تعصبا لدينك وتقربا إليك فاغفر لهم فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي ، لما فعلوا ما فعلوا وإنك لو سترت عنى ما سترت عنهم ، لما لقيت ما لقيت فلك التقدير فيما تفعل ، ولك التقدير فيما تريد
( 2 ) يقصد : أن الفردانية مطلب عزيز ، فإذا كان الفناء في الوحدانية يستلزم الاستهلاك في المحبة . . فإن الفناء في الفردانية يستلزم بذل الروح .