أيش تريد منى ؟ فقال الصبى : روحك ! ففارق روحه في الحال « 1 » .
العشق نار تحرق الحشا « 2 » والكبد ، وتطيش العقل ، وتعمى البصر ، وتذهب السمع ، وتهوّن ركوب الأهوال ، وتضيّق الحلق حتى لا يعبر فيه إلّا النّفس ، وتجمّع الهمّة على المعشوق ، وتسيىء الظن بالمحبوب من الغيرة . . وتزيد ، فيذهب النظام ، ويدوم الهيام ، ويطيب الموت ، ويورّث النسيان . ويطفئها الوصل ، ويقلّلها العتاب والشتم والضرب . .
ويودّ المحبّ ألا يكون حبيبه ، حتى لا يصل إليه غيره ! وقد ينتهى في المخلوق إلى أن يقول : أنت ربّى لا ربّ لي سواك . . وهذه كلمة كفر ، ولكن عن حالة اضطرار ، لا عن كسب واختيار . وهذه كلمة لا يقولها العاشق ، بل إنما تقولها نار العشق - لأن تربية نار العشق من الحبيب -
هامش
( 1 ) وردت هذه الواقعة في كتاب السلمى « المقدمة في التصوف ص 33 » وأعاد ذكرها في كتابه « الفتوة ص 38 » ونصها عند السلمى :
حكى أن أبا الحسين النوري جاء إلى الجنيد فقال : بلغني أنك تتكلم في شئ من المحبة ، فتكلم فيما أثبتّ حتى أرده عليك ! فقال الجنيد : أحكى بدء الحكاية ، كنت أنا وجماعة من أصحابنا في بستان ، فأبطأ علينا من يجيئنا بما نحتاج إليه ، فصعدنا بطلع فإذا بضرير معه غلام جميل الوجه ، والضرير يقول له : أمرتني يا هذا بكذا وكذا ففعلت ، ونهيتني عن كذا وكذا فتركت ، وما خالفتك في شئ تريده ، فماذا تريد منى ؟ فقال الغلام : أريد أن تموت ! فقال الضرير : ها أنا ذا أموت . . وتمدد وغطّى وجهه . فقلت لأصحابي : ما بقي على هذا الضرير شئ ، قد تشبه بالموتى ، ولكن لا يمكنه الموت على الحقيقة . فنزلنا إليه وحركناه ، فإذا هو ميت ! فقام النوري وانصرف .
وتشير القصة إلى أن العشق الحسى يقود إلى الموت ، فما بالك بالحب الإلهى .
( 2 ) ب : الحشى .