واعلم أن من الأنوار ما يصعد ، ومن الأنوار ما ينزل . فالأنوار التي تصعد قلبية ، والتي تنزل عرشية ؛ والوجود حجاب بين العرش والقلب ، فإذا خرق الوجود ، وفتح من القلب باب إلى العرش ، حنّ الجنس إلى الجنس ، فيصعد النور إلى النور ، وينزل النور على النور . . نور على نور « 1 » .
وحقيقة الجمعية « 2 » أنه مهما حنّ القلب إلى العرش ، حنّ العرش إلى القلب ، فيلتقيان ، فيجتمع ما بينهما من الوجود والنفس ، بل يفنى ما بينهما مثل الهواء الحاصل بين اليدين ، إذا صفّقت بهما فنى الهواء فيما بينهما ؛ ومثل الطعام بين الحجرين ، إذا دار بعضه على بعض خرج الطعام من البين « 3 » .
[ سرّ السير والجذب ]
وكلّ ما فيك من جوهر نفيس ، يوجب لك حالة أو مشاهدة في السماء مثله من نار شوق ومحبة وعشق « 4 » . وكلما صعد منك نور ،
هامش
( 1 ) سورة النور ، آية 35 .
( 2 ) الجمعية ، الجمع : هو إزالة الشعث والتفرقة بين القدم والحدوث ، لأنه لما انجذب بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات ، استتر نور العقل المفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة ، وارتفع التمييز بين القدم والحدث لزهوق الباطل عند مجيىء الحق ، وتسمى هذه الحالة « جمعا » ثم إذا أسبل حجاب العزة على وجه الذات وعاد الروح إلى عالم الخلق وظهر نور العقل . . عاد التمييز بين الحدث والقدم ، وتسمى هذه الحالة « تفرقة » ( كشاف اصطلاحات الفنون 234 ) .
( 3 ) يقصد ، القمح المطحون بين حجري الرحى .
( 4 ) انتقد بعض الفقهاء قول الصوفية بالعشق . راجع رأى ابن الجوزي في هذه المسألة وردّنا عليه فيها ، في كتابنا : الطريق الصوفي . . ص 103 وما بعدها .