[ قسم خاطر العقل : ]
وأما القسم السادس من الخواطر : فهو خاطر العقل ، وهو لسانه يسمع بنفسه أيضا من الحق منفردا ، ومن الملك والروح ، وهو بذاته مكان الإلهام لكن له لسان ، وما يقول في القلب ، وهو خاطر العقل ، وبذلك يخبر عن سر العبودية ، ويدعو إليها صاحبة ، ويعرفه حقائق الأشياء بما يجد من الحق تعريف حكمته إياه ، وكلامه يقتضي الإخلاص والصدق والخوف والرجاء ، والخروج من أوصاف النفس وهوائها قال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى
[ طه : 54 ] .
هامش
وهذا المعنى القرآني لمصطلح التقوى ، باق على معناه الدلالي في استعمال السادة الصوفية له ، ولم يطرأ عليه أي تغير يذكر ، فقد ورد عن أبي العباس الطوسي البغدادي ( ت : 299 ه ) في قوله : « التقوى ألا تمد عينيك إلى زهرة الدنيا ولا تتفكر بقلبك فيها » ، وينسب إلى أحمد بن عطاء الآدمي ( ت : 311 ه ) : « للتقوى ظاهر وباطن ، فظاهرها محافظة الحدود وباطنها النية والإخلاص » .
وروي عن أبي الحسن الوراق النيسابوري ( ت : 320 ه ) أنه قال : « أجل شيء يفتح اللّه تعالى به على عبده التقوى ، فإن منها تتشعب جميع الخيرات وأسباب القرب والتقرب ، وأصل التقوى الإخلاص وحقيقتها التخلي عن كل شيء إلا ممن إليه تقواك » ولأبي القاسم النصرابادي ( ت : 367 ه ) أيضا نحوه .
وفي التبصير بمعنى التقوى : من لزم التقوى اشتاق إلى مفارقة الدنيا لأن اللّه سبحانه يقول :وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ[ الأنعام : 32 ] .
وقال الطوسي ( ت : 387 ه ) معنى قوله تعالى :اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ[ آل عمران : 102 ] راجع إلى قوله :فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[ التغابن : 16 ] .
انظر : طبقات الصوفية ص 241 ، والرسالة القشيرية 1 / 308 ، واللمع ص 122 .
ويقول القشيري أيضا ( ت : 465 ه ) : ( أصل التقوى ، اتقاء الشرك ، ثم بعده اتقاء المعاصي والسيئات ، ثم بعده اتقاء الشبهات ، ثم يدع بعده الفضلات .